سؤال عن مسألة
حلول الحوادث بالذات
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال:
أليس الله تعالى
يرى الحوادث ويسمع كلامها
وأصواتها فلماذا
لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى ؟! ألا يلزم أن
يكون اسما السميع والبصير حادث وليس بقديم ؟!
الجواب:
ثبت بالكتاب
والسنة والإجماع أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا يزول ولا يتبدل
ولا ينتقل من حال
إلى حال ، لأن
النقص لازم لذلك لزوما بينا ، فأي الحالين قد جد فلا بد وأن يكون
كمالا بعد نقص
أو كمالا زائد بعد كمال ناقص ، وهذا بعينه الكمال بع النقص المفترض
أولا ، فكل هذا محال على الله تعالى وتقدس
.
وقد أجمعت الأمة
أيضا على أن
صفات الله
الواجبة قديمة غير حادثة ، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم
يكن ، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب
حدوث مبصر لم يكن
أو إرادة حادثة
بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على
قدم صفات الله ، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها ووظائفها
بالمخلوقات الحادثة ،
فبدلا من أن
يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم
علم إلا بكون
الحادث !!!!!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
.
والواجب على
المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه
أزلا ، على ما
هو عليه بعد
حدوثه ، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع
أو بصر جديدين
.
ومن لم يجزم
بهذا ويوقن به فهو كافر ولا يصح إسلامه ، إذ
كيف يتصور مسلم
بأن الله تعالى قبل ساعة من الآن لم يكن عالما بالحوادث التي ستجد
بعد ساعة فلما جدت ووجدت علمها !!!! ألا يعلم من خلق وهو اللطيف
الخبير ؟؟؟!!
.
أم يكيف يظن
مسلم أن الله قبل ساعة من الآن لم يسمع الأصوات التي حدثت بعد
ساعة فلما حدثت سمعها ؟؟!! لأنه على تجويز هذا يكون ـ سبحانه ـ لم
يزل غير سامع لها
!!! ويعني ذلك
بالضرورة أن مسموعاته بعد ساعة قد زادت على مسموعاته قبل ساعة
!!!! ويلزم منه أن سمعه قبل ساعة كان ناقصا فازداد !!!! أفيقول هذا مسلم
؟؟!! وكذلك
الحال في البصر
..
بل نقول إن الله
علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل
حدوثها فلم
يتغير بعد حدوثها سبحانه عما كان عليه قبل ذلك ولم يزدد بكونها وحدوثها
شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة
من علم وسمع
وبصر .. ومن جوز
هذا المعنى لزمه أن الله يعلم الأمور شيئا بعد شيء كذلك يسمعها
شيئا بعد شيء
أيضا يبصرها شيئا بعد شيء ، وهذه صفة المخلوق لا صفة الخالق ، ولو
طبقنا ذلك المعنى الكفري البدائي على وقتنا هذا الذي نحن فيه لجاز
أن يقال بأن الله
لم يعلم ويبصر
ويسمع ما سيكون بعد ساعة فضلا عما سيكون يوم القيامة !!! فعلمه وسمعه
وبصره الآن ناقص !! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا كفر ما بعده
كفر ..
هذا ولا يلزم من
قولنا بسمعه وبصره الحوادث قبل وجودها أن تكون الحوادث
قديمة ، كما لم يلزم من قولنا بعلمه الأشياء قبل حدوثها أن تكون
الحوادق قديمة ،
فالقديم علمه
وسمعه وبصر ، لا المعلوم والمسموع والمبصر ـ بفتح الباء ـ
.
فإن قيل : هذا
لا يعقل أن يبصر الشيء والشيء لم يكن بعد
!!
قلنا
: اعقله كما عقلت أنه يعلمه قبل كونه
.
ومن الضروري أن
يوقن المؤمن أن سمعه
تعالى وبصره كما
لا يحدهما مكان فهو يسمع كل شيء ويبصر كل شيء أينما كان هذا شيء في
أرض أو سماء في ظلمة أو نور ، فكذلك يجب عليه أن يوقن أنه لا يحدهما
زمان فيسمع
الأصوات التي هي
بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة ، فلا تعترض الأزمنة مهما
تقلبت وتصرفت صفات الخالق من علمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة
والأزمنة على
اختلافها بعدا
وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق
..
وإذا جاز في
الشاهد أن يرى النائم حدثا ما فيعاينه بالصوت والصورة قبل
وقوعه ثم يراه في اليقضة كما كان في الرؤيا على سبيل خرق العادة
فكيف بالخالق
والخارق للعادة
؟؟!! .
سبحانه سبحانه ،
وهذا مقام لا يحتاج إلى منقول أو نص
، فإما كفر وإما
إيمان ولعل في هذا الخبر ما يستأنس به في الختام
:
روى
الطبراني في الأوسط بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه
وسلم مر بأعرابي
وهو يدعو في صلاته وهو يقول : (( يا من لا تراه العيون ، ولا
تخالطه الظنون ،
ولا يصفه الواصفون [ ولا تغيره الحوادث ] ولا يخشى الدوائر ، يعلم
مثاقيل الجبال ، ومكاييل البحار ، وعدد قطر الأمطار ، وعدد ورق
الشجار ، وعدد ما
أظلم عليه الليل
، وأشرق عليه النهار ، لا تواري منه سماء سماء ، ولا أرض أرضا ،
ولا بحر ما في
قعره ، ولا جبل ما في وعره ، اجعل خير عمري آخره ، وخير عملي خواتمه
، وخير أيامي يوم ألقاك فيه )) فوكل رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالأعرابي رجلا
فقال : إذا صلى
فأتني به ، فلما صلى أتاه ـ وقد اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أسماء ذهب
من بعض المعادن ـ فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب وقال : ممن أنت
يا أعرابي ؟ قال من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله ، قال هل تدري
لم وهبت لك الذهب
؟ قال للرحم
بيننا وبينك يا رسول الله ، فقال : إن للرحم حقا ، ولكن وهبت لك الذهب
لحسن ثنائك على الله عز وجل )) اهـ
.