نسخة وورد 

فــِقـْــهُ أَهْــلِ العِـرَاقِ

وحَـــدِيثُهُم

 

بقلم

العلامة المحقق الإمام محمد زاهد الكوثري

رحمه الله تعالى

(1296-1371 هـ)

 


 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 [قيمة الكتاب][1]

الحمد للّه الذي أعلى منازل الفقهاء، إعلاء يوازن ما لهم من الهمم القعساء، في خدمة الحنيفية السمحة البيضاء.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وسند الأتقياء، ومخرج الأمة من الظلمات إلى النور والضياء، وعلى آله وصحبه، السادة النجباء، والقادة الأصفياء، شموس الهداية، وبدور الاهتداء، الناضري الوجوه، بتبليغ ما بلغوه من أدلة الشريعة الغراء.

وبعد: فإن كتاب نصب الراية - لتخريج أحاديث الهداية" للإمام الحافظ الفقيه الناقد الشيخ عبد اللّه بن يوسف الزيلعي - أعلى اللّه سبحانه منـزلته في الجنة- كتابٌ لا نظير له في استقصاء أحاديث الأحكام، حيث كان مؤلفه لا يفتر ساعة عن البحث، ولا يعوقه عن التنقيب عائق، ولا يحول دون فحصه تواكل، ولا تكاسل، ولا يزهده في الأخذ عن أقرانه، وعمَّن هو دونه كبَر النفس، وسعته في العلم، بل طريقته الدأب، ليل نهار، على نشدان طلبته، أينما وجد ضالته.

وهذا الإخلاص العظيم، وهذا البحث البالغ، جعلا لكتابه من المنـزلة في قلوب الحفاظ، ما لا تساميه منـزلة كتاب من كتب التخريج.

والحق يقال: إنه لم يَدَع مطمعاً لباحث وراء بحثه وتنقيبه، بل استوفى في الأبواب ذكر ما يمكن لطوائف الفقهاء أن يتمسكوا به على اختلاف مذاهبهم، من أحاديث، قلما يهتدي إلى جميع مصادرها أهل طبقته، ومن بعده من محدثي الطوائف، إلا من أجهد نفسه إجهاده، وسعى سعيه لوجود كثير منها في غير مظانها.

بل قلَّ من ينصف إنصافه، فيدون أدلَّة الخصوم تدوينه، غير مقتصر على أحاديث طائفة دون طائفة، مع بيان ما لها وما عليها، بغاية النصفة، بخلاف كثير ممَّن ألفوا في أحاديث الأحكام في المذاهب، فإنك تراهم يغلب عليهم التقصير في البحث، أو السير وراء أهواء، فالتقصير في البحث، يظهر المسألة القوية الحجة بمظهر أنها لا تدلُّ عليها حجة، والسير وراء هوى، تعصب يأباه أهل الدين.

وأخطر ما يغشى على بصيرة العالم عند النظر في الأدلة، هو التعصب المذهبي، فإنه يلبس الضعيف لباس القوي، والقوي لباس الضعيف، ويجعل الناهض من الحجة داحضاً، وبالعكس، وليس ذلك شأن من يخاف اللّه في أمر دينه، ويتهيب ذلك اليوم الرهيب الذي يحاسب فيه كل امرئ على ما قدمت يداه.

فإذا وجد المتفقه من هو واسع العلم، غوَّاص لا يتغلب عليه الهوى، بين حفاظ الحديث، فليعض عليه بالنواجذ، فإن ذلك، الكبريت الأحمر بينهم.

والحافظ الزيلعي هذا، جامع لتلك الأوصاف حقاً، ولذلك أصبحت أصحاب التخاريج بعده عالة عليه، فدونك كتب: البدر الزركشي، وابن الملقن، وابن حجر، وغيرهم، من الذين يظن بهم أنهم يحلقون في سماء الإعجاب، ويناطحون السحاب، وقارنها بكتب الزيلعي، حتى تتيقن صدق ما قلنا.

بل إذا فعلت ذلك ربما تزيد، وتقول: إن سَدى تلك الكتب ولحمتها، كتب الزيلعي، إلا في التعصب المذهبي.

وكتاب الزيلعي هذا يجد فيه الحنفي صفوةَ ما استدل به أئمة المذاهب من أحاديث الأحكام، ويلقى المالكي فيه نقاوة ما خرجه ابن عبد البر في "التمهيد" و"الاستذكار" وخلاصة ما بسطه عبد الحق في كتبه، في أحاديث الأحكام، والشافعي يرى فيه غربلة ما خرجه البيهقي في "السنن"، و"المعرفة"، وغيرهما، وتمحيص ما ذكره النووي في "المجموع"، و"شرح مسلم" واستعراض ما يبينه ابن دقيق العيد في "الإِلمام"، و"الإمام"، و"شرح العمدة".

وكذلك الحنبلي يلاقي فيه وجوه النقد في "كتاب التحقيق" لابن الجوزي، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي، وغير ذلك من الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام.

بل يجد الباحث فيه سوى ما في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والآثار، والمعاجم، من أدلة الأحكام أحاديث في الأبواب، من مصنف ابن أبي شيبة -أهم كتاب في نظر الفقيه-، ومصنف عبد الرزاق، ونحوهما، مما ليس بمتناول يد كل باحث اليوم، مع استيفاء الكلام في كل حديث، من أقوال أئمة الجرح والتعديل، ومن كتب العلل المعروفة.

وهذا ما جعل لهذا الكتاب ميزة عظمى بين كتب التخاريج.

ولا أريد بهذا، الثناء على كتابه تثبيط العزائم، وتخدير الهمم، ولا إنكار أنه لا نهاية لما يفيض اللّه سبحانه على أهل العزيمة الصادقة من خبايا العلوم، ولا نفي أنَّ في كتب من بعده بعض فوائد، يشكر مؤلفوها عليها، ويزداد استقاء أمثالها من ينابيعها الصافية، عند مضاعفة السعي، وصدق العزيمة، وإنما قلت ما قلت، إعطاءً لكل ذي حق حقه، وإجلالاً للعلم واستنهاضاً للهمم، نحو محاولة الاستدراك، على مثل هذا العالم الجليل.

وهذا حافظ واحد من حفاظ الحنفية، قام بمثل هذا العمل العظيم الذي وقع موقع الإِعجاب الكلي بين طوائف الفقهاء كلهم، في عصره، وبعد عصره، فمن قلب صحائف هذا الكتاب، ودرس ما في الأبواب من الأحاديث، تيقن أن الحنفية في غاية التمسك بالأحاديث، والآثار في الأبواب كلها، لكن لا تخلو البسيطة من متعنت يتقوَّل فيهم، إما جهلاً، أو عصبية جاهلية، فمرة يتكلمون في أخذهم بالرأي، عند فقدان النص، مع أنه لا فقه بدون رأي، ومرة يرمونهم بقلة الحديث، وقد امتلأت الأمصار بأحاديثهم، وأخرى يقولون: إنهم يستحسنون، ومن استحسن فقد شرَّع، وأين يكون موقع هذا الكلام من الصدق؟! بعد الاطلاع على كلامهم في الاستحسان، وكيف يستطيع القائل بالقياس رد الاستحسان؟ والشرع للّه وحده، إنما الرسول صلوات اللّه عليه - مبِّلغه، وقصارى ما يعمل الفقيه فَهْم النصوص فقط، فمن جعل للفقيه حظاً من التشريع، لم يفهم الفقه والشرع، بل ضلَّ السبيل، وجعل شرع اللّه من الأوضاع البشرية، وحاش للّه أن يجعل للبشر دخلاً في شرعه ووحيه.

هذا، وقد رأيتُ تفنيد تلك النقولات، بسرد مقدمات في الرأي والاجتهاد، وفي الاستحسان الذي يقول به الحنفية، وفي شروط قبول الأخيار عندهم، وفي منـزلة الكوفة من علوم القرآن، والحديث، والعلوم العربية، والفقه، وأصوله، وكون الكوفة ينبوع الفقه، المُشرق، من بلاد المشرق، المنتشر في قارات الأرض كلها، وميزة مذهب أهل العراق على سائر المذاهب، ومبلغ اتساعهم في الحفظ، وكثرة الحفاظ بينهم من أقدم العصور الإسلامية إلى عصرنا هذا، زيادة على ما لهم من الفهم الدقيق، والغوص في المعاني، وقد اعترف لهم بذلك كل الخصوم، ونظرة عجلى في كتب الجرح والتعديل، واللّه سبحانه حسبي، ونعم الوكيل.


 

الرأي والاجتهاد

وردت في الرأي، آثار تذمه، وآثار تمدحه: والمذموم هو الرأي عن هوى، والممدوح هو استنباط حكم النازلة من النص، على طريقة فقهاء الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، برد النظير إلى نظيره، في الكتاب، والسنة.

وقد خرَّج الخطيب غالب تلك الآثار في "الفقيه والمتفقه"، وكذا ابن عبد البر، مع بيان موارد تلك الآثار.

والقول المحتم في ذلك: إن فقهاء الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، جروا على القول بالرأي بالمعنى الذي سبق "أعني استنباط حكم النازلة من النص"، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها.

وقد قال الإمام أبو بكر الرازي في "الفصول"، بعد أن سرد ما كان عليه فقهاء الصحابة، والتابعين من القول بالرأي:

"إلى أن نشأ قوم ذو جهل بالفقه وأصوله، لا معرفة لهم بطريقة السلف، ولا توقي للإقدام على الجهالة، واتباع الأهواء البشعة التي خالفوا بها الصحابة، ومَن بعدهم من أخلافهم، فكان أول من نفى القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث، إبراهيم النظَّام، وطعن على الصحابة من أجل قولهم بالقياس، ونسبهم إلى ما لا يليق بهم، والى ضد ما وصفهم اللّه به، وأثنى به عليهم -بتهوره وقلة علمه بهذا الشأن-، ثم تبعه على هذا القول نفر من المتكلمين البغداديين، إلا أنهم لم يطعنوا على السلف كطعنه، ولم يعيبوهم، لكنهم ارتكبوا من المكابرة، وجحد الضرورة أمراً بشعاً، فراراً من الطعن على السلف، في قولهم بالاجتهاد والقياس، وذلك أنهم زعموا أن قول الصحابة في الحوادث كان على وجه التوسط والصلح بين الخصوم لا على وجه قطع الحكم، وإبرام القول، فكأنهم قد حسنوا مذهبهم بمثل هذه الجهالة، وتخلصوا من الشناعة التي لحقت النظَّام بتخطئته السلف.

ثم تبعهم رجل من الحشو جهول، يريد -داود بن علي- لم يدر ما قال هؤلاء، ولا ما قال هؤلاء، وأخذ طرفاً من كلام النظَّام، وطرفاً من كلام متكلمي بغداد، من نفاة القياس، فاحتج به في نفي القياس والاجتهاد، مع جهله بما تكلم به الفريقان، من مثبتي القياس، ومبطليه، وقد كان مع ذلك ينفي حجج العقول، ويزعم أن العقل لا حظ له في إدراك شيء من علوم الدِّين، فأنـزل نفسه منـزلة البهيمة بل هو أضل منها" اهـ.

وأبو بكر الرازي أطال النفس جداً في إقامة الحجة على حجية الرأي والقياس، بحيث لا يدع أي مجال للتشغيب ضدَّ حجيته، فالرأي بهذا المعنى، وصفٌ مادحٌ يوصف به كل فقيه، ينبئ عن دقة الفهم، وكمال الغوص.

ولذلك تجد ابن قتيبة يذكر في "كتاب المعارف" الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، ويَعدُّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس رضي اللّه عنهم.

وكذلك تجد الحافظ محمد بن الحارث الخشني، يذكر أصحاب مالك في "قضاة قرطبة" باسم أصحاب الرأي.

وهكذا يفعل أيضاً الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في "تاريخ علماء الأندلس"، وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي، يقول في شرح حديث الداء العضال من "الموطأ" في صدد الرد على ما يرويه النقلة عن مالك، في تفسير الداء العضال: "ولم يرو مثل ذلك عن مالك أحد من أهل الرأي من أصحابه"، يعني من أهل الفقه، من أصحاب مالك، إلى غير ذلك، مما لا حاجة إلى استقصائه هنا.

وبهذا يتبين أن تنـزيل الآثار الواردة في ذم "الرأي عن هوى" في فقه الفقهاء، وفي ردهم النوازل التي لا تنتهي إلى انتهاء تاريخ البشر، إلى المنصوص في كتاب اللّه، وسنة رسوله، إنما هو هوى بشع، تنبذه حجج الشرع.

وأما تخصيص الحنفية بهذا الاسم، فلا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرأي، سواء كان في المدينة أو في العراق، وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد، بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس، ولا يقتصرون على واحد منها.

وأما أهل الحديث فهم الرواة النقلة، وهم الصيادلة، كما أن الفقهاء هم الأطباء، كما قال الأعمش، فإذا اجترأ على الإفتاء أحد الرواة الذين لم يتفقهوا، يقع في مهزلة، كما نصَّ الرامهرمزي في "الفاصل"، وابن الجوزي في "التلبيس"، و"أخبار الحمقى"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه"، على نماذج من ذلك، فذكر مدرسة للحديث هنا، مما لا معنى له[2].

قال سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في شرح "مختصر الروضة" - في أصول الحنابلة:

"واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإضافة، هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع علماء الإسلام، لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط، وتنقيحه الذي لا نـزاع في صحته، وإما بحسب العلمية فهو في عرف السلف "من الرواة بعد محنة خلق القرآن"، علم على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة، ومن تابعه منهم وبالغ بعضهم في الشنيع عليه واني، واللّه لا أرى إلا عصمته مما قالوه، وتنـزيهه عما إليه نسبوه، وجملة القول فيه: إنه قطعاً، لم يخالف السنة عناداً، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهاداً، بحجج واضحة، ودلائل صالحة لائحة، وحججه بين أيدي الناس موجودة، وقلَّ أن ينتصف منها مخالفوه، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حساد، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد، وآخر ما صح عن الإمام أحمد رضي اللّه عنه إحسان القول فيه، والثناء عليه، ذكره أبو الورد من أصحابنا في "كتاب أصول الدين" اهـ.

وقال الشهاب بن حجر المكي الشافعي في "خيرات الحسان" ص3:

"يتعين عليك أن لا تفهم من أقوال العلماء -أي المتأخرين من أهل مذهبه- عن أبي حنيفة، وأصحابه أنهم أصحاب الرأي، أنَّ مرادهم بذلك تنقيصهم، ولا نسبتهم إلى أنهم يقدمون رأيهم على سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولا على قول أصحابه، لأنهم برآء من ذلك".

ثم بسط ما كان عليه أبو حنيفة، وأصحابه في الفقه، من الأخذ بكتاب اللّه، ثم بسنَّة رسوله، ثم بأقوال الصحابة، رداً على من توهم خلاف ذلك.

ولا أنكر أن هناك أناساً من الرواة الصالحين، يخصون أبا حنيفة، وأصحابه بالوقيعة من بين الفقهاء، وذلك حيث لا ينتبهون إلى العلل الفادحة في الأخبار، التي تركها أبو حنيفة، وأصحابه، فيظنون بهم أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وكثيراً ما يعلُو على مداركهم وجه استنباط هؤلاء، الحكم من الدليل، لدقة مداركهم، وجمود قرائح النقَلة، فيطعنون في الفقهاء أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، فهذا النبز منهم لا يؤذي سوى أنفسهم.

وأما ابن حزم فقد تبرأ من القياس جملة وتفصيلاً، فحظ أبي حنيفة، وأصحابه من شتائمه مثل حظ باقي الأئمة القائلين بالقياس.

والقاضي أبو بكر بن العربي ممن قام بواجب الرد عليه في "العواصم والقواصم".

وليس لابن حزم شبْه دليل، فيما يدعيه من نفي القياس، غير المجازفة بنفي ما ثبت من الصحابة في حجة القياس، وغير الاجتراء على تصحيح روايات واهية، وردت في ردِّ القياس، والغريب أن بعض أصحاب -المجلات- ممن لم ينشأ نشأة العلماء، اتخذ مجلته منبراً يخطب عليه الدعوة إلى مذهب، لا يدري أصله ولا فرعه، فألَّف قبل عشر سنوات رسالة في "أصول التشريع العام" وجمع فيها آراء ابن حزم في نفي القياس، وآراء بعض مثبتيه، على طريق غير طريق الأئمة المتبوعين، وآراء أخرى لبعض الشذاذ، يبني مذهبه على ما يعده مصلحة فقط، وإن خالف صريح الكتاب والسنة، فصار بذلك جامعاً لأصول متضادة، تتفرع عليها، فروع متضادة، لا يجتمع مثلها، إلا في عقل مضطرب، وما هذا إلا من قبيل محاولة استيلاد البشر من البقر، ونحوه.

فترى ابن حزم يحتج في نفي القياس بحديث "نعيم بن حماد" الذي سقط نعيم بروايته، عند جمهرة النقاد، وليس ابن حزم على علمٍ من ذلك! وهذا مما يعرفه صغار أهل الحديث من المشارقة، وهو حديث قياس الأمور بالرأي، وفي سنده أيضاً "حريز الناصبي"، وان كان الصحافي -المتمهجد!- يجعله: جريراً، ويزيد على حجة ابن حزم حجة أخرى، وهي حديث: سبايا الأمم في "ابن ماجه" ويرى -الصحافي- أنه حسن، مع أن في سنده "سويداً"، وفيه يقول ابن معين: حلال الدم، وأحمد: متروك الحديث.

وفيه أيضاً ابن أبي الرجال، وهو متروك، عند النسائي، ومنكر الحديث، عند البخاري.

ويتصور فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذاً من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد.

وأما ما وقع في كلام إبراهيم النخعي. وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن، فبمعنى الرأي المخالف للسنة المتوارثة في المعتقد، يعنون به الخوارج، والقدرية، والمشبهة، ونحوهم من أهل البدع، لا بمعنى الاجتهاد في فروع الأحكام، وحمله على خلاف ذلك تحريف للكلم عن مواضعه، فكيف! والنخعي نفسه، وابن المسيِّب نفسه من أهل القول بالرأي في الفروع، رغم انصراف المتخيلين، خلاف ذلك.

ويحاول ابن حزم أن يكذب كل ما يروى عن الصحابة في القياس، لا سيما حديث عمر، مع أن الخطيب، وغيره يروون عنه بطرق كثيرة، بألفاظ متقاربة، وكذا عن باقي الصحابة.

قال الخطيب -بعد أن روى حديث معاذ في اجتهاد الرأي في "الفقيه والمتفقه"-: وقول الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ، يدل على شهرة الحديث، وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده والظاهر من حال أصحابه، الدِّين، والثقة، والزهد، والصلاح، وقد قيل: إن عبادة بن نسى، رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد تقبلوه، واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، اهـ.

ومثله بل ما هو أوفى منه، مذكور في فصول أبي بكر الرازي، وقد سبقت كلمته في "نفاة القياس"، وليس هذا موضع بسط لذلك، فليراجع فصول أبي بكر الرازي. و"الفقيه والمتفقه" للخطيب، من أراد معرفة طرق الروايات القاضية على مجازفات الظاهرية وأذيالهم، ولعل هذا القدر كاف هاهنا.


 

الاستحسان

 

ظن أناس ممن لم يمارس العلم، ولم يؤت الفهم، أن الاستحسان عند الحنفية هو الحكم بما يشتهيه الإنسان، ويهواه ويلذه، حتى فسره ابن حزم في "أحكامه" بأنه ما اشتهته النفس ووافقتها، خطأً أو صواباً !!

لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق، في تقريعهم والرد عليهم، إلا أن المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، ففوَّقوا سهاماً إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقة مدرك هذا البحث في حد ذاته.

وليس بين القائلين بالقياس من لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، و"إبطال الاستحسان" ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.

ومن الحكايات الطريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنه لما سأله أحد كبار القضاة في عهد المتقي للّه العباسي، عن سبب انتقاله من مذهب الشافعي إلى مذهب أهل الظاهر، جاوبه قائلاً: "إني قرأت إبطال الاستحسان للشافعي، فرأيته صحيحاً في معناه، إلا أن جميع ما احتج به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصح به عندي بطلانه"، كأنه لم يرد أن يبقى في مذهب يهدُّ بعضه بعضاً، فانتقل إلى مذهب يبطلهما معاً!!

لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت.

وأود أن أسوق بعض كلمات من فصول أبي بكر الرازي، لتنوير المسألة، لأنه من أحسن من تكلم فيه بإِسهاب مفهوم -فيما أعلم-، وهو يقول في الفصول في بحث الاستحسان:

"وجميع ما يقول فيه أصحابنا بالاستحسان، فإنهم قالوه مقروناً بدلائله وحججه، لا على جهة الشهوة واتباع الهوى، ووجوه دلائل مسائل الاستحسان موجودة في الكتب التي عملناها، في شرح كتب أصحابنا، ونحن نذكر هنا جملة تفضي بالناظر فيها إلى معرفة حقيقة قولهم في هذا الباب، بعد تقدمة القول في جواز إطلاق لفظ الاستحسان، فنقول:

لما كان ما حسَّنه اللّه تعالى بإقامته الدلائل على حسنه، مستحسناً، جاز لنا إطلاق لفظ الاستحسان، فيما قامت الدلالة بصحته، وقد ندب اللّه تعالى إلى فعاله، وأوجب الهداية لفاعله، فقال عز من قائل:{فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اْلقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ}.

وروي عن ابن مسعود، وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، أنه قال: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند اللّه حسن، وما رآه المؤمنون سيئاً، فهو عند اللّه سيء"، فإذا كنا قد وجدنا لهذا اللفظ أصلاً في الكتاب والسنة، لم يمنع إطلاقه في بعض ما قامت عليه الدلالة بصحته على جهة تعريف المعنى وإفهام المراد...

ثم ليس يخلو العائب للاستحسان من أن ينازعنا في اللفظ، أو في المعنى، فإن نازعنا في اللفظ، فاللفظ مُسَلَّم له، فليعبر هو بما شاء، على أنه ليس للمنازعة في اللفظ وجه، لأن لكل أحد أن يعبر عن المعنى بما عقله من المعنى، بما شاء من الألفاظ، لاسيما بلفظ يطابق معناه في الشرع، وفي اللغة، وقد يعبر الإنسان عن المعنى بالعربية تارة، وبالفارسية أخرى، فلا ننكره.

وقد أطلق الفقهاء لفظ الاستحسان في كثير من الأشياء، وقد روي عن إياس بن معاوية أنه قال: "قيسوا القضاء، ما صلح الناس، فإذا فسدوا، فاستحسنوا"، ولفظ الاستحسان موجود في كتب مالك بن أنس، وقال الشافعي: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين درهماً، فسقط بما قلنا، المنازعة في إطلاق الاسم، أو منعه.

وإن نازعنا في المعنى، فإنما لم يسلم خصمنا تسليم المعنى لنا، بغير دلالة، وقد اصطحب جميع المعاني التي تذكرها، مما ينتظمه لفظ الاستحسان، عند أصحابنا، إقامة الدلالة على صحته، وإثباته بحجته، ولفظ الاستحسان يكتنفه معنيان:

أحدهما: استعمال الاجتهاد، وغلبة الرأي في إثبات المقادير، الموكولة إلى اجتهادنا وآرائنا، نحو تقدير متعة المطلقات، قال اللَّه تعالى:{فَمَتِّعُوهُنَّ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ}، فأوجبها على مقدار يسار الرجل وإعساره، ومقدارهما غير معلوم، إلا من جهة أغلب الرأي، وأكثر الظن.

ونظيرها أيضاً، نفقات الزوجات، قال اللّه تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهًنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، ولا سبيل إلى إثبات المعروف من ذلك، إلا من طريق الاجتهاد.

وقال تعالى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً، فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ، هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكينَ، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامَاً}، ثم لا يخلو المثل المراد بالآية، من أن يكون القيمة، أو النظير من النَّعَم على حسب اختلاف الفقهاء فيه، وأيهما كان، فهو موكول إلى اجتهاد العَدْلَين.

وكذلك أُروش الجنايات التي لم يرد في مقاديرها نص، ولا اتفاق، ولا تعرف إلا من طريق الاجتهاد، ونظائرها في الأصول أكثر من أن تحصى، وإنما ذكرنا منها مثالاً يستدل به على نظائره.

فسمى أصحابنا هذا الضرب من الاجتهاد استحساناً، وليس في هذا المعنى خلاف بين الفقهاء، ولا يمكن أحداً منهم القول بخلافه.

وأما المعنى الآخر من ضربي الاستحسان، فهو ترك القياس إلى ما هو أولى منه، وذلك على وجهين:

أحدهما: أن يكون فرع يتجاذبه أصلان، يأخذ الشبه من كل واحد منهما، فيجب إلحاقه بأحدهما، دون الآخر، لدلالة توجبه، فسموا ذلك استحساناً، إذ لو لم يعرض شبه للوجه الثاني، لكان له شبه من الأصل الآخرْ، فيجب إلحاقه به.

وأغمض ما يجيء من مسائل الفروع، وأدقها مسلكاً، ما كان من هذا القبيل، ووقف هذا الموقف، لأنه محتاج في ترجيح أحد الوجهين على الآخر، إلى إنعام النظر، واستعمال الفكر، والروية في إلحاقه بأحد الأصلين دون الآخر فنظير الفرع الذي يتجاذبه أصلان، فيلحق بأحدهما دون الآخر، ما قال أصحابنا، في الرجل يقول لامرأته: إذا حضت، فأنت طالق، فتقول: قد حضت: إن القياس أن لا تصدق حتى يعلم وجود الحيض منها، أو يصدقها الزوج، إلا أنا نستحسن، فنوقع الطلاق. قال محمد: وقد ندخلُ في هذا الاستحسان بعض القياس.

قال أبو بكر: أما قوله: إن القياس أن لا تصدق، فإن وجهه أنه قد ثبت بأصل متفق عليه، إن المرأة لا تصدق في مثله في إيقاع الطلاق عليها، وهو: الرجل يقول لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وإن كلمت زيداُ، فأنت طالق، فقالت بعد ذلك: قد دخلتها بعد اليمين، أو كلمت زيداً، وكذبها الزوج، إنها لا تصدق، ولا تطلق حتى يعلم ذلك ببينة، أو بإقرار الزوج، فكان قياس هذا الأصل يوجب أن لا تصدق في وجود الحيض، الذي جعله الزوج شرطاً لإيقاع الطلاق، وكما أنه لو قال لها: إذا حضت، فإن عبدي حر، أو قال فامرأتي الأخرى طالق، فقالت: حضت، وكذبها الزوج، لم يعتق العبد، ولم تطلق المرأة الأخرى، فقد أخذت هذه الحادثة شبهاً من هذه الأصول التي ذكرنا، فلو لم يكن لهذه الحادثة غير هذه الأصول لكان سبيلها أن تلحق بها، ويحكم لها بحكمها، إلا أنه قد عرض لها أصل آخر، منع إلحاقها بالأصل الذي ذكرنا، وأوجب إلحاقها بالأصل الثاني، وهو أن اللّه تŸ