سؤال عن الكسب عند أهل السنة و الجماعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

نص السؤال:

السّلام عليكم ورحمة الله و بركاته
يا حبّذا يا أستاذنا إذا كتبت لنا عن الكسب عند أهل السنّة فقد بحثت في الموضوع لكن ما زلت إلى مزيد بيان عنه وأنتم- إن شاء الله -أهل لذلك ..وبارك الله فيكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركته
أخي الكريم: أحسن الله إليكم ورفع مقامكم وجزاكم خير الجزاء على حسن ظنكم بالفقير الذي هو لا في العير ولا النفير ، ولكن الحقائق قد تخفى ، وإني أعتذر عن الجواب عن شيء بعد هذا لأني لست أهلا لذلك وأنا اعرف بحالي من غيري ، وأقول هنا استجابة طلبكم وتحقيقا لرغبتكم :

ما سألتم عنه وهو الكسب ، وما هيته ، فأحسن من وقفت على كلام له يثلج الصدر ويغذي العقل ويقنع الجدران هو مولانا سيد المتكلمين على الإطلاق ولا أستثني ولا أبالي شيخ الإسلام بالدولة العثمانية مصطفى صبري التوقادي الذي كان العلامة المحقق البحر محمد زاهد الكوثري وكيلا له وناهيك بهذا للتعرف على منزلة الموكل ، فقد شرح مسائل القدر في كتاب مستقل سماه (( تحت سلطان القدر )) عظيم جدا ، وترى المهم من مباحثه أيضا مدرجا في كتابه العظيم الذي لم يؤلف في علم الكلام مثله في الأعصار المتأخرة (( موقف العقل والعلم والعالم .. )) ويقع في 4 مجلدات وهو مطبوع تجده في مكتبة الإيمان بمصر أو المكتبات الأزهرية ، وقد أنبأنا عن هذا الإمام تلميذه العلامة علي القونوي ..

وحاصل المسألة على سبيل التوضيح المتناهي ، أن تعلم أن المسلمين قد أجمعوا على أمرين وآمنوا بهما معا :
الأول : أن الله خالق كل شيء كل شيء بلا استثناء فمن ذلك أفعال العباد .

الثاني : أن العبد محاسب ومسؤول عن أفعاله التي قامت به مسؤولية كاملة مع كون أفعاله من خلق الله .

هذان الأصلان يجب الإيمان بهما معا ، وإلا لم يكن المسلم سنيا بإخلاله بواحد منها .
فمن أنكر عموم الأول فزعم أن أفعال العباد خارجة من مخلوقات الله تعالى ـ ليصح التكليف بزعمه الفاسد ـ فقد وقع في القدر وكأنه جعل مع الله خالقا آخر هو العبد الذي يخلق أفعاله . !!!
ومن أنكر الثاني أي المسؤولية بناء على الأصل الأول وهو كون أفعال العباد مخلوقة لله ـ ليؤكد القدر بزعمه ـ فقد وقع في التجهم والجبر الصريح. !!!
وكلا الأمرين ضلالة ، وإنما ضل من ضل لكونه لم يجمع في قلبه الإيمان بالأصلين المقدمين معا .

فإن قيل : إن كون فعل العبد مخلوقا لله مطلقا حتى خطرات القلب ، وكون العبد مع هذا مسؤولا عن أفعاله القائمة به أمر صعب التصور ، إذ كيف يكون مسؤولا عن فعل هو مخلوق لغيره ؟؟؟

فالجواب : هنا يقع خطر هذه المسألة ويكمن سرها وهنا يرتكز سر القدر الأعظم ، الذي أمرنا بالتسليم له ، ومن أراد كسف هذا السر كشف الله ستره ، هنا تقف العقول البشرية ، وتتعطل الأذهان العبقرية ، هنا نهاية الأقدام ومنهى الأفكار ، ولهذا نهينا عن الخوض فيه ، وطولبنا بالإيمان به ، ولولا هذا السر الغيبي وتلك العقدة التي لا تطيق العقول حلها لما كان القدر من العظمة بحيث يصير من أركان الإيمان ، وكل أركان الإيمان لها من الغيب نصيب وافر .

ولكن أقواما لم تصبر عقولهم المريضة على هذا حتى أرادت أن تكشف السر الأعظم فزلت في المآل الأوخم ، فصمم قوم منهم على تعيين جهة المسؤولية أي كشف ما ارتكزت عليه المسؤولية والمحاسبة فزعموا أن العبد هو خالق الفعل وليس الله !!! فانظر كيف جعلوا مع الله خالقا من حيث أرادوا تنزيهه عن ظلم العباد. !!
وآخرون لما عجزت عقولهم عن تحرير مناط المسؤولية والمحاسبة لأنهم آمنوا بأن الله خالق كل شيء أسقطوا المسؤولية عن العبد وزعموا أن لا وجه لها ما دام ليس هو الخالق وزعموا أنهم كريشة في مهب الريح وأن الله لذلك لن يعذبهم وما نرسل بالآيات إلا تخويفا. !!!

وثبت أهل السنة على الجادة وآمنوا بالأصلين معا ، وسمو هذا السر المكتوم الذي لا تدرك العقول حقيقته وما هيته ، سموه كسبا أخذا من قول الله تعالى :
(( فبما كسبت أيديكم )) فليس الكسب على هذا فعلا من الأفعال بل هو السر الذي ترتكز عليه المسؤولية هو الغيب الذي أمرنا بالإيمان به فالعبد مسؤول ومناط المسؤولية ليس كون العبد خالقا ، لا ، بل كونه كاسبا فقط ، وسمى السادة الأحناف الماتريدية هذا المعنى الغيبي سموه ( اختيارا ) وبقي هذا المعنى الغيبي المسمى عند الأشاعرة بالكسب وعند الماتريدية بالاختيار بقي غيبا غير مفهوم ، كل ما يمكن أن يقال عنه أنه مستند المسؤولية أو ما ارتكزت عليه المسؤولية والمحاسبة ، أما ما حقيقته فهنا لا كلام ، قال الطحاوي في عقيدته :
(( وأفعال العباد خلق الله ، وكسب من العباد ))

ومن هنا يتبين لك مدى سفاهة بعض الناس من الحاقدين والجاهلين الذين أرادوا الطعن على أهل السنة ـ كسفر تبعا لآراء ابن تيمية ـ والذين زلوا زلة القدرية ، فهلاء ظنوا أن الكسب الذي يقول به أهل السنة ظنوه عندنا فعلا من أفعال العبد !!! ولهذا اتهمونا بالتناقض لأننا أبقينا فعلا من أفعال العبد ـ وهو الكسب بزعمهم ـ غير داخل في جملة المخلوقات !!! ولما صعب عليهم فهم هذا ما لوا إلى كون العبد فاعلا أي خالقا لفعله والعياذ بالله.!!!

بل واتشهدوا بقول أحد الزنادقة ـ لذلك لا يصرحون باسمه ـ إذ قال :


مما يقال ولا حقيقة تحته ... معلومة تدنوا من الأفهام


وهذه كلمة حق أريد بها باطل ، فكون الكسب غير مكشوف ولا معروف سره حق وصدق ، ولكن هذا القائل أراد أن يتوصل من خلال غموض سر القدر وهو الكسب إلى إنكاره ورده لتبقى المسألة تحت سلطة العبد الكفور وليتجرأ هو وزمرته على ما حذر النبي أمته من التجرؤ عليه والخوض فيه ، فهؤلاء لم يبالوا بالغيب ، وهم مصممون على كشف السر ، ولا يرضون بأن يكون القدر من جملة الأمور الخطرة الغيبية التي يجب علينا التسليم بها دون محاولة استكناه حقيقتها فوقعوا فيما ترى !!!

وهكذا تعرف في الختام أن ( الكسب ) هو اسم لمناط مسؤولية العبد ، اسم لذلك السر الذي استحق به العبد العقوبة على فعله ، وأن هذا الكسب غيب لا يمكن للعباد كشفه ، فكونك يا أخي الكريم لم تستطع فهمه حق الفهم عين الإيمان ، ومحاولة تفسيره بأكثر مما ذكرنا هو باب الزندقة وقنطرة الانزلاق في القدر أو الجبر والإرجاء وأب ت الإلحاد .. وفي هذا كفاية وعليك بالكتاب الذي أرشدتك إليه ففيه الغنية والشفاء .
هذا وقد رأيت لك أخي الكريم سؤالا آخر انتبهت إليه أخيرا وهو قولك في موضوع ابن تيمية :
(( هل أنت متأكّد من أشعرية الحافظ ناصر الدين الدمشقي مؤلف الرد الوافر؟ ))
والجواب أن هذا هو الظاهر لقرائن كثيرة منها أنه ولي مشيخة دار الحديث الشرفية التي من شرطها أن يكون متوليها أشعريا كما ذكره السبكي في الطبقات ، ولهذا لم يولها الذهبي مع تأهله لها من جهة الحديث وذلك لكونه قيل عنه حشوي ، مع أنه شافعي ، فالشرط أن يكون شافعي الأصول والفروع معا .
ومن اليقيني كون ابن ناصر صوفيا وله مؤلفات في المولد والسيرة وقد أثنى وعظم كثيرا من الأشاعرة ووصفهم بمشايخ الإسلام والتجديد ونحو ذلك ، ولم نقف له على شيء يخالف فيه معتقد الشاعرة ، بالإضافة إلى صداقته للأشاعرة ومخالطته لهم المعروفة والتلمذة عليهم ونحو ذلك ، ولعلكم لو تطالعون ترجمته في ( الضوء اللامع ) للسخاوي تقفون على بعض تصانيفه وجوانب أكثر من ترجمته ، وكتاب الرد الوافر دفاع عن ابن تيمية على طريقة المصريين كما قلته في المقال ، مع أني أجزم أن ابن ناصر لا يدري عن مسائل الاعتقاد المنسوبة لابن تيمية قليلا ولا كثيرا بل ولا أظنه يستوعبها وهذا خير له ، وهو صاحب البيات الشهيرة :


حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا


ذكره في كتابه ( مورد الصادي في مولد الهادي ) كما نقله عنه الجلال السيوطي في ( التعظيم والمنة ... ) وله رسائل في لبس الخرقة الصوفية ونحو ذلك والحاصل أن دفاعه عن ابن تيمية ليس نابعا من تأييد أقواله الخطرة بل ولا من معرفتها أصلا والله أعلم .

 

الصفحة الرئيسية