بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الخلق أجمعين.

وبعد:

 

فقد سألت أيها العزيز[1] عن الكلام الذي رأيته لابن عربي الصوفي في كتاب الفتوحات المكية، والذي يردُّ فيه على السادة الأشاعرة أهل السنة والجماعة، بما معناه:

"إن المشبهة والمجسمة قاسوا الله تعالى على الخلق في المعنى والكيف، والأشاعرة نفوا الكيف ولكنهم قاسوا الله تعالى على البشر في المعنى، فأثبتوا صفات المعاني التي أخذوها عقلاً من صفات المخلوق."

هذا هو حاصل كلام ابن عربي، وهو محل السؤال، وسوف نتكلم عليه بما نراه من توضيح ونقد، سائلين الله تعالى الاصابة في ذلك.

ولا شك أن ابن عربي يقصد هنا الإشارة إلى المسألة المشهورة في علم الكلام وهي زيادة الصفات على الذات أو عدم زيادتها، ومعلوم عند الناس أن جمهور أهل السنة على أن الصفات لا هي عين الذات ولا غير الذات، وأما ابن عربي فالذي اختاره أن الصفات عين الذات، وهو مذهب المعتزلة.

وأوَّلُ ما يريد ابن عربي أن يقوله هو أنَّ كلاً من الأشاعرة والمجسمة قد ضلُّوا الصواب في هذه المسألة، فأما خطأ المجسمة فهو معلوم، فهم قد أثبتوا لله تعالى الكيفية وجسموه ووصفوه بصفات الحوادث من الأجسام وغيرها، ومعلوم أنَّ ابن العربي من أبعد الناس عن التجسيم.

وأما الأشاعرة فهم عنده قد أخطأوا أيضاً، لا من حيث وقوعهم في تشبيه في الكيف، بل في المعنى، أي إنهم وقعوا في تشبيه من حيث إثباتهم الصفات المعاني صفات وجودية، أي أنه تعالى عالم بعلم وقادر بقدرة وهكذا.

يقصد أن يقول: إن الأشاعرة لما فهموا أن المخلوق إذا عَلِمَ فمعنى ذلك أنه اتصف بصفة وجودية زائدة على ذاته وهي العلم، فكذا لما علمنا أن الله تعالى عالم ثبت أنَّ له تعالى علماً، وهذا العلم هو صفة وجودية قائمة بالذات، ففهم من هذا -أي ابن العربي- أن الأشاعرة قد شبهوا الخالق بالمخلوق من جهة إثباتهم صفات المعاني، وأيضاً من حيث إنهم قاسوا، والقياس يستلزم وجه شبه، وهو هنا يستلزم التشبيه.

فصار ها هنا مطالب: هل هذا الاستدلال يستلزم التشبيه ؟

     وما هو الحق والصواب في مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ؟

     وهل الدليل الوحيد على إثبات المعاني هو هذا القياس المشار إليه؟

 


 

فصل

في توضيح قول ابن العربي وبيان ما فيه

 

قال المرجاني في حاشيته على شرح الدواني للعقائد العضدية[1/297]:

وقال الشيخ العارف المحقق محيي الدين ابن العربي رحمه الله في الفتوحات المكية: "من يقول إنها غير الذات وقع في قياس الحق على الخلق في زيادة الصفة على الذات، فما زاد هذا على الذين قالوا: إنَّ الله فقير ونحن أغنياء، إلا بحسن العبارة فقط، فإنَّه جعل كمال الذات لا يكون إلا بغير، فنعوذ بالله أن نكون من الجاهلين" انتهى.

ففي هذه الكلمات يهجم ابن العربي على من يقول بغيرية الصفات ويغلطه ويبين ما يلزمه من مصائب، وكلامه صحيح.

ويزيد في توضيح قول ابن العربي ما ذكره الإمام الشعراني في اليواقيت [1/72] ناقلاً عنه:

"اعلم يا أخي أن الاستقراء السقيم لايصح في العقائد، لأنَّ مبناها على الأدلة الواضحة، وقد تتبع بعض المتكلمين أدلة المحدثات فلم يجد فيها من هو عالم لنفسه، فأعطاه دليلُه أنْ لا يكون عالم قط الا بصفة زائدة على ذاته تسمى علماً، وحكمها فيمن قامت به أن يكون عالماً. قال: وقد علمنا أنَّ الحقَّ تعالى عالم فلا بد أن يكون له علم، ويكون ذلك العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به.

قال الشيخ محيي الدين: وهذا استقراء سقيم؛ بل هو الله العالم القادر الخبير، كل ذلك بذاته لا بأمر زائد عليها، إذ لو كان ذلك بأمر زائد على ذاته، وهي صفات كمال لا يكون كمال الذات إلا بها لكان كماله تعالى بشيء زائد على ذاته، واتصفت ذاته بالنقص والفقر إذا لم يقم بها هذا الزائد، تعالى الله عن ذلك، فهذا هو الذي دعا بعض المتكلمين أن يقول في صفات الحق تعالى إنها غيره، فأخطأ طريق الصواب، وسبب خطئه أنه رأى العلم من صفات المعاني بقدر رفعه مع كمال ذات العالم من الخلق، فلما أعطاه الدليل ذلك طرده شاهداً وغائباً، يعني في حق الخلق والحق جميعاً. انتهى.

وقال الشعراني:

على أن الشيخ ذكر في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة في الكلام على اسمه تعالى العليم أن من الخلق من يكون علمه من ذاته لا بأمر زائد، وذلك في كل علم يدركه الانسان بعين وجوده خاصة، ولا يفتقر في تحصيله إلى أمر آخر، فإذا ورد عليه ما لا يقبله إلا بكونه موجوداً على مزاج خاص، فهو علمه الذاتي، انتهى، فليتأمل !

كأنه يقول : فإذا كان بعض العبيد يقع له عدم استفادة العلم من غيره، فالحقُّ أولى، لكن الفرق بين علم هذا العبد وعلم الحق تعالى أنَّ علم العبد هبة من الله تعالى له حين نفخ فيه الروح، فليس علمه من قسم من كان علمه بذاته حقيقة وهو الله، فاعلم ذلك وإياك والغلط. انتهى.

 

أقول: تحصَّل لدينا حتى الآن مفهومان:

الأول: نفي أن يكون علم الله تعالى مستمداً من غير الله؛ لأنَّ هذا يستلزم النقص على الذات.

وهذا الأمر لا خلاف فيه، أي أنَّ نفي هذا معلوم بضرورة العقل.

الثاني: هذا العلم القائم بالذات هل هو ذو وجود زائد على وجود الذات، أي هل يوجد في الخارج وجودان: الأول وجود الذات، والثاني وجود العلم، أم لا ؟

الحقُّ كما هو معلوم أنه في الخارج لا يوجد إلا وجودٌ واحد لا تكثر فيه، هو وجود الحق تعالى.

فإذن الذي ينفيه ابن العربي كما هو ظاهر حتى الآن هو إثبات كثرة وتعدد في الوجود في الخارج، ولا ريب أن هذا صحيح. فالذي يقول إنها غيره يلزمه التعدد، ويلزمه الافتقار كما أشار فيما مضى.

فقد اتضح حتى الآن جانب من فكر ابن العربي.

قال الإمام الشعراني:

وأما ما ذكره في الباب الثالث والسبعين وثلثمائة، فهو قوله: اعلم أنه لا يجوز الحكم على الله بشيء، لأنه خير الحاكمين، ومن هنا يعلم أنه لو كانت صفات الحق تعالى زائدة على ذاته كما يقول به بعضهم لحكم على الذات بما هو زائد عليها ولا هو عينها، وقد زلَّ في هذه المسألة كثيرٌ من المتكلمين وأصلهم فيها قياس الغائب على الشاهد، وهو غاية الغلط؛ فإنَّ الحكم على المحكوم عليه بأمر ما من غير أن تعلم ذات المحكوم عليه وحقيقته - جَهلٌ عظيم من الحاكم عليه بذلك، فرحم الله أبا حنيفة حيث لم يقض على غائب اهـ.

وأما ما قاله في الباب السبعين وأربعمائة فهو قوله :

اعلم أنَّ بالعلم يعلم العلم، فالعلم معلوم العلم، فهو المعلوم والعلم صفة العالم، فما عرف الحق منك إلا علمك لا أنت، غير ذلك لا يصح لك، ومن هنا قالوا: العلم حجاب، أي عن شهود حقيقته الحق تعالى.

قال محيي الدين: وهذا الذي ذكرناه هو الذي يتمشى على قول بعض المتكلمين في الصفات إنها ما هي غيره فقط، ويقف، وأما قولهم بعد هذا القول : ولا هي هو، فإنما ذلك لما رأوا من أنه معقول زائد على هو، فنفى هذا القائل أن تكون الصفات هو، وما قدر على أن يثبت هو من غير علم يصفه به، فقال: وما هو غيره، فحار فنطق بما أعطاه فهمه، وقال: صفات الحق لا هي هو ولا هي غيره.

قال الشيخ محيي الدين: وهو كلام خلي من الفائدة، وقول بلا روح فيه، يدل على عدم كشف قائله.

قال: ولكنـَّا إذا قلنا نحن مثل هذا القول لم نقله على حدِّ ما يقوله المتكلم، فإنه يعقل الزائد، ولا بدَّ، ونحن لا نقول بالزائد، ولا يخالف كشفنا بأن الصفات الالهية عينٌ، فإنَّ من يقول إنها غيرٌ واقع في قياس الحق تعالى على الخلق في زيادة الصفة على الذات، فما زاد هذا على الذين يقولون: إن الله فقير إلا بحسن العبارة فقط، فإنه جعل كمال الذات لا يكون الا بغيرها، فنعوذ بالله أن نكون من الجاهلين، انتهى.

ويتبين لنا أن هجومه في هذا الكلام أيضاً منصبٌ على الذين يقولون بغيرية الصفات للذات غيرية مطلقة في الخارج، أي أنَّ وجود الصفات هو غير وجود الذات، واما ابن العربي فهو يثبت الصفات ويقول: إنها نفس الذات بمعنى أن وجودها هو عين وجود الذات.

ويؤيد هذا الفهم ما نقله المرجاني في حاشيته، فقد قال:

قال العارف الجامي رحمه الله تعالى، قال الشيخ قدس سره: قوم ذهبوا إلى نفي الصفات، وذوق الأنبياء يشهد بخلافه، وقوم أثبتوها وحكموا بمغايرتها للذات حق المغايرة وذلك كفر محض وشرك بحت. وقال بعضهم قال قدس سره: من صار إلى إثبات الذات ولم يثبت الصفات كان جاهلاً مبتدعاً، ومن صار إلى إثبات صفات مغايرة للذات حق المغايرة فهو ثنوي كافر، ومع كفره جاهل اهـ.

فهو إذن يذم الذي قاس فتوصل إلى إثبات صفات مغايرة حق المغايرة للذات، وهذا باطل قطعاً، فهذا هو السر في ذمه القياس المذكور.

وإثبات عدم غيرية الذات للصفات هو حقيقة مذهب أهل السنة.

قال الشيخ الدردير في شرح الخريدة: [وكلها] أي صفات المعاني[قديمة بالذات] أي بذاتها أي أن قدمها ذاتي وليست بممكنة في نفسها، وإنما قدمها بقدم الذات المقدَّس، أو أن ذاته تعالى علَّة فيها كما قال بذلك بعض علماء أهل السنة، وهو قول شنيع تمجه قلوب الصالحين العارفين بربهم، إذا لا يخفى ما فيه من إساءة الأدب بمقام الله الأعز الأحمى مع أنه لا حجة على ارتكابه بل الحجة قائمة على ما ذكرنا كما أشرت له بقولي [لأنها ليست بغير الذات] العلية بمعنى أنها لا تنفك عنها، فلا يعقل قيام الذات بدونها، ولا وجودها في غير الذات المقدس، فلا يصح القول بأنها ممكنة في نفسها أو أن الذات العلية علة فيها، وكما أنها ليست بغير الذات ليست بعينها أيضاً، وهو واضح، وإلا لزم أن تكون الذات صفات، وأن الحياة عين العلم مثلاً وهو باطل، فبطل ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى قادر بذاته وحي بذاته وعالم كذلك، وهكذا لا بصفات زائدة على الذات تسمى بالقدرة والحياة وهكذا، لئلا يلزم تعدد القدماء المحال، والجواب أنَّ المحال إنما هو تعدد ذوات أما ذات واحدة متصفة بصفات لا يصح الانفكاك عنها فليس بمحال، بل هو الواجب. اهـ.

وها هنا تحصلت لدينا قضايا:

1- ان ابن عربي يقول بعينية الصفات للذات، مع أنه لا يمنع من القول بأنها لا هي هي ولا هي غيرها، على المعنى الذي يقصده، أي دون تصور زائد على الذات.

2- ما ذكره الدردير من أن القول بأن الصفات هي عين الذات يلزم عنه أن الذات صفات وأن الحياة مثلاً هي عين العلم، وسوف نذكر ما على هذا فيما يأتي ان شاء الله.

3- ظاهر كلام الدردير وغيره أنَّ المعتقد هو أن الصفات زائدة على الذات، فهل هذا يعني عندهم المغايرة التي ذكرناها، الظاهر بل الذي يجب أن يكون : لا.

وسوف نتكلم على هذا المعنى فيما يأتي ان شاء الله تعالى.

أما في هذا الفصل فسنحاول توضيح ما يتعلق بالقياس وهل يلزم عنه التشبيه ومتى، وكل ما مضى من كلام إنما هو لتوضيح حقيقة قول ابن العربي.

قال العلامة الدواني في شرح العقائد العضدية: واستدل القائلون بالغيرية بأنَّ النصوص قد وردت بكونه تعالى عالماً وحياً وقادراً ونحوها، وكون الشيء عالماً معلل بقيام العلم به في الشاهد، فكذا في الغائب، وقس عليه سائر الصفات.

وأيضاً العالِم من قام به العلم، والقادر من قام به القدرة، وهكذا، وضعفه ظاهر؛ فإنَّ قياس الغائب على الشاهد قياس فقهي مع الفارق، ألا ترى أن القدرة قد تزول في الشاهد وقد تزداد وتنقص، وليست مؤثرة عند الأشعري وأتباعه فيه، وفي الغائب بخلاف ذلك كله. انتهى.

وعلق المحقق الكلنبوي في حاشيته على هذا الكلام فقال[1/272]: قوله: (واستدل القائلون بالغيرية) وهم جمهور المتكلمين، وان كان هذا الاستدلال مشتركاً بينهم وبين قدماء الأشاعرة، ولا يجوز حمل القائلين بالغيرية ههنا على ما يعمّ الأشاعرة بأن يحمل الغير هنا على نقيض "هو هو" أي ما ليس بعين، سواء كان حقيقة فيه كما عند الجمهور أو مجازاً فيه كما عند الأشاعرة.

أقول : ومن هذا يفهم أن الأشاعرة غير قائلين بالغيرية التامة، ومنه يعلم أن الكلام الذي نقلناه فيما مضى عن ابن العربي غير موجه إليهم، أو هو موجه إلى من يقول بهذا ولو كان منهم.

قال: فكأنه قال واستدل النافون للعينية، إذ يأباه قوله الآتي واستدل القائلون بأنها لا هو ولا غيره إلى آخره، فالغير هنا محمول على ما ليس بعين حقيقة ولا واسطة بين العين والغير بهذا المعنى، ولذا لم يصح دعوى البداهة في نفي العينية ههنا؛ لأنها تستلزم دعوى البداهة في الغيرية، فيبطل الاستدلال، بخلاف العين والغير بالمعنى الذي سيذكره الأشاعرة، وإن خفي على بعض الأذهان القاصرة.

أقول: وهذا الكلام من الكلنبوي يفرق بوضوح بين القائلين بالغيرية مطلقاً وهم الذين انتقدهم ابن العربي وغيره، وبين الأشاعرة.

قال: واستدلوا على هذا المطلب بوجوه من جملتها ما ذكره الشارح من قياس الغائب على الشاهد، وتحقيقه ما ذكره إمام الحرمين من أنه لا بدَّ في القياس من جامعٍ للقطع بأنه لا يصح على الحكم بكون الفاعل جسماً بناءاً على أنَّ كل فاعل نشاهده جسم، والجوامع أربعة: العلة والشرط والحقيقة والدليل. فإذا ثبت في الشاهد كون حكم معللاً بعلة كالعالمية بعلم، أو مشروطاً بشرط كالعالمية بالحياة، أو تقرَّرت حقيقة في محقق لكون حقيقة العالم من قام به العلم أو دلَّ دليل على مدلول عقلاً كدلالة الأحداث على المحدث، لزم اطراد ذلك في الغائب، وقد يثبت في الشاهد أن حقيقة العالم من قام به العلم، وأن الحكم بكون العالم عالماً معلَّل بالعلم، فلزم القضاء بذلك في الغائب، وكذا الكلام في القدرة والحياة وغيرهما، وما قيل: عالمية الشاهد ممكنة تعلل بعلة وعالمية الغائب واجبة لا تعلل بعلة، فمدفوع بأن العالمية لكونها صفة لا تكون واجبة بالذات بداهة بل واجبة بالغير، والواجب بالغير معلل بذلك الغير وهو ذات الغائب هنا، كما في شرح المقاصد.

وفي المواقف وشرحه: احتج الأشاعرة بوجوه ثلاثة:

الأول: ما اعتمد عليه القدماء من الأشاعرة وهو قياس الغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا تختلف غائباً وشاهداً، ولا شك أنَّ علة كون الشيء عالماً في الشاهد هي العلم، فكذا في الغائب، وحدّ العالم ههنا من قام به العلم، فكذا حده هناك. وشرط صدق المشتق على واحد منا ثبوت أصله، فكذا شرطه في الغائب عنَّا، أي واجباً كان ذلك الغائب أو ملكاً أو جنياً، وقس على ذلك سائر الصفات.

وقد عرفت ضعفه في المرصد الأخير من الموقف الأول، بمعنى أنه لا يفيد اليقين المطلوب في المطالب الكلامية، كيف والقائس معترفٌ باختلاف مقتضى الصفات شاهداً وغائباً، كما  أشار إليه الشارح بقوله: (ألا يرى) إلى آخره، فيكون قياساً فقهياً مع الفارق لا مع الجامع، بل قد يمنع ثبوت العلم والقدرة وغيرهما من الصفات في الشاهد، بل الثابت فيه بيقين هو العالمية والقادرية والمريدية، لا ما هي مشتقة منها، فيضمحل القياس بالكلية. ولا يخفى أنَّ منع ثبوت نفس العلم والقدرة وغيرهما من الصفات في الشاهد قريب من المكابرة. وأما القدح بكونه قياساً مع الفارق فقد أجاب عنه شارح المقاصد بأن الفروق المذكورة لا يقدح في صحة القياس المذكور، إذ لا اختلاف لهذه الأحكام ولا للصفات فيما يتعلق بالمقصود، فإن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً لا من حيث كونه حادثاً أو قديماً أو عرضاً إلى غير ذلك.

وأما القدحُ بأنَّ القياس لا يفيد اليقين فيدفعه ما ذكره أهل  الأصول من أن القياس بعلة منصوصة في المقيس عليه يفيد العلم القطعي، إذ لما كان علة عالمية الشاهد وقادريته مثلاً هي علمه وقدرته قطعا بلا ريب، كان في حكم القياس بعلة منصوصة إذ الاحتياج إلى التنصيص في الأدلة النقلية لتعيين العلة قطعا، فافهم. انتهى.

أقول: وكلام الكلنبوي يلخص أصول المسألة مع تحقيق مفيد فتدبر فيه، ونفي الغيرية التامة مع نفي العينية هو ما أشار إليه السعد في شرح العقائد بقوله: هي واجبة لا لغيرها، بل لما ليس عينها ولا غيرها، أعني الذات المقدس. وإن كان قال في نفس المحل أن الصفات بالنظر لذاتها ممكنة، وهذا قول مردود كما أشرنا إليه من قبل.

 

إشارة إلى ما ذكره الامام القرافي في الفروق[3/26]:

حاول الإمام القرافي أن يصحح القياس المذكور بالقول أن الجامع بين الطرفين ليس أمراً وجودياً، وهو الصفات المعنوية، وهي الحال، وعلى هذا لا يلزم التشبيه.

وكلامه هذا صحيح بناءا على القول بالحال، والمعلوم أن جمهور الأشاعرة لا يقولون بالحال، فلا يكون هذا الجواب قائماً فقط على مذهبهم.

وأما تصحيح القياس بناءاً على مذهب الجمهور من أهل السنة، فقد توضح فيما نقلناه عن الكلنبوي وغيره.

وعلى كل حال فقد تبين أنَّ إثبات الصفات لا يلزم عنه تشبيه مطلقاً.

وقد أشار العلامة ابن الشاط في تعليقه على كلام القرافي إلى أن إثبات الصفات لا يكون فقط بناءاً على قياس الغائب على الشاهد، بل توجد أدلة أخرى أشار إليها العلامة السعد في شرح العقائد، وفي شرح المقاصد، وذكر بعضها صاحب كتاب الفروق المطبوع على هامش الفروق[3/46].

قال الإمام بدر الدين الصابوني رحمه الله تعالى: إن العلم [فينا] موجود وعرض وعلم محدث وجائز الوجود، ويتجدد في كل زمان، فلو أثبتنا العلم صفة لله تعالى لكان موجوداً وصفة وقديماً وواجب الوجود دائماً من الأزل إلى الأبد، فلا يماثل علم الخلق بوجه من الوجوه. انتهى من  حاشية المرجاني[2/296].

 

تنبيه

ما أشار إليه الشيخ الدردير في ردِّه على المعتزلة أنه يلزمهم كون الحياة عين العلم مثلاً، ذكر نحوه العلامة التفتازاني في شرحه، فقال: "ويلزمكم كون العلم مثلاً قدرة وحياة". اهـ.

ولكن العلامة الكستلي علَّق على هذا في حاشيته فقال: "إن أراد أنه يلزم اتحاد الإضافات التي هي العالمية والقادرية والحيية وكون كل واحدة منها هي الموصوف بما عداها فالملازمة ممنوعة. وإن أراد أنه يلزم اتحاد مباديها بمعنى أنه يلزم أن يكون شيء واحد هو ذات الله تعالى مبدأ لهذه الإضافات كلها باعتبارات شتى، وأن يكون هو الموصوف بها، وهو الصانع للعالم والمعبود للخلق، فبطلان اللازم لا بد من إفادته، ولزوم كون الواجب غير قائم بذاته مبني على أن مبدأ الإضافة هو الصفة لا الذات وهو ممتنع. اهـ.

 

فصل

يتضح بما مرَّ من كلام حقيقةُ مذهب أهل السنة في الصفات ومراد ابن عربي بكلامه، وقد قال الشعراني في اليواقيت [1/73]: فتلخص من جميع كلام الشيخ أنه قائل بأن الصفات عين لا غير، كشفاً ويقينا، وبه قال جماعة من المتكلمين، وما عليه أهل السنة والجماعة أولى، والله سبحانه يتولى هداك. اهـ.

ولا شك أن تحرير الأقوال وتحقيق المعاني في هذه المسألة مما لا يكفي لإبرازه هذه الصفحات.

 

فصل في التعليق على كلام لابن رشد الفيلسوف

 

وكلامه مذكور في كتاب ضميمة العلم الإلهي ص63، وسوف نذكر نحن كلامه بين قوسين ونعلق عليه بما يتوارد إلى ذهننا خارجهما:

(بل كثير من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية) هذا كلامه وهو ادعاء يلزمه عليه دليل وأنى له ذلك، وقد بين بزعمه أسباب هذا الاتهام والادعاء من بعض المسائل التي يقول بها الأشاعرة، فقال (فإنها) أي الأشاعرة (تجحد كثيراً من الضروريات) يقصد بالضروريات هنا الأمور البديهية أي التي يدركها العقل ببداءة النظر، بل ودون حاجة إلى جهد مشعور به.

ولكن هل حقيقة ينكر الأشاعرة بعض هذه الأمور البديهية ؟! وهل يمكن أن توجد فرقة إسلامية معتد بها تنكر مثل هذه الأمور، كما يدعي هذا الفيلسوف هنا، وينسبه إلى أقوى فرقة إسلامية وهي الأشاعرة المعبرة عن عقائد أهل السنة والجماعة ؟!

هذه تهمة تشابه التهم التي يلصقها ابن تيمية بالأشاعرة أيضاً، بل بكلِّ من يخالفه، وأنا أرى تشابها كبيراً بين أسلوب ابن رشد الفيلسوف في النقد وبين أسلوب ابن تيمية المجسم، خصوصاً فيما يتعلق بالرد على الأشاعرة، وهذا يثبت كما هو معلوم تأثر ابن تيمية الكبير بآراء ابن رشد في هذا المجال، وخطورة هذا التأثر واضحة من حيث أن ابن رشد كان في حال هجومه على الأشاعرة ومحاولة الرد عليهم يقصد من هذا تثبيت دعائم الفلسفة الأرسطية كما هو معلوم، فمن الطبيعي أن تأتي ردوده عليهم متلائمة مع أصل فلسفة أرسطو، وهذا هو الذي يحتج ابن تيمية بكلامه فتأمل!!

ومثَّل ابن رشد على الضروريات التي ينكرها الأشاعرة، فقال:( مثل ثبوت الأعراض) وهذا التمثيل مما يضحك منه الأطفال، فمن هو الذي يصدق أن الأشاعرة ينكرون الأعراض فعلاً، ودليلهم المشهور على حدوث العالم وإثبات الصانع معتمد أصلاً على التسليم بثوت الأعراض، فهذه التهمة متساقطة لا تحتاج إلى تعقيب غير هذا.

أما إذا أراد ابن رشد ببقوله ثبوت الأعراض أي بقاءها ودوامها، فكلامنا معه يكون على رتبتين؛ الأولى: أن الأشاعرة منهم من نفى بقاء الأعراض ومنهم من أثبت بقاءها ودوامها، والمثبتون لبقاء الأعراض هم الجمهور، فلا يجوز أن يقول إن الأشاعرة ينفون بقاء الأعراض هكذا على الإطلاق.

الرتبة الثانية: أن بقاء الأعراض ليس أمراً بديهياً، بل هو يحتاج إلى النظر والفكر الطويل، ولا يجوز لمن يدعي الفلسفة والتحقيق فيها أن يقول إن بقاء الأعراض زمانين هو أمر بديهي، فكيف يقول هذا ومن الناس من يقول عن الجواهر إنها لا تبقى زمانين ! بل الجوهر في الزمان الثاني غير الجوهر الكائن في الزمان الأول !! فثبت بهذا أن ابن رشد يبالغ في ادعائه هذا وتشنيعه على الأشاعرة بهذا الكلام وهو لا يتعدى رتبة الخطابيات بل الشعريات، مما لا يليق بالفيلسوف أن يستعملها في هذا المقام.

ثم قال: (وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ووجود الأسباب الضرورية للمسببات) أما إنهم ينكرون التأثير لغير الله تعالى في شيء من الأشياء فهو صحيح، ولكن ما الدليل على أن ثبوت التأثير لغير الله تعالى بديهي، لا يوجد دليل، بل هي مماشاة للعادات ومسايرة لها، وانسياق مع الحواس الظاهرة، التي ليس من شأنها أصلاً أن تكشف عن مفهوم العلة، لأنَّ هذا المفهوم إنما هو مفهوم عقلي، أي إنه لا يدرك إلا بالعقل؛ كما تقرر في محله. وعندي أنَّ الحق في هذا إنما هو مع الأشاعرة.

وأما إنهم ينكرون وجود الأسباب فلا، وهذه تهمة أخرى، ولكنهم يقولون إن السبب المؤثر الوحيد في الأشياء هو الله تعالى، أي من حيث إنه تعالى قادر. وأما الأمور التي نراها متعاقبة فلا دليل من مجرد التعاقب على السببية، وإذا أطلق عليها أسباب فيكون من هذا الباب فقط لا من باب التأثير، أي إن الأشاعرة يقولون بوجود الأسباب العادية، أي يلحقها أو يصحبها مسببها على سبيل العادة لا على سبيل التأثير.

ولا يجوز بعد هذا أن يقول إنسان يدعي العلم بالفلسفة أن الاعتقاد بوجود العلل الحقيقية هو أمر بديهي، بل هو من الأمور النظرية، إن وجد.

ونحن هنا نكتفي بلفت النظر إلى أغلاط ابن رشد ولا نريد أن نخوض في هذه المسائل ونأتي بأدلتها، ومعارضة أدلة الخصوم.

ثم قال:( والصور الجوهرية والوسائط) أنا أعجب من بن رشد كيف يدعي في هذه الأمور أنها أمور ضرورية، والحقيقة أنها ما هي إلا توهمات فلاسفة اليونان، كما هو معروف عند من عنده أقل علم بالفلسفة، فهو منجرف مع تعصبه ضد الإمام الغزالي والأشاعرة في سبيل إثبات عقائد الفلاسفة.

ثم قال: ( ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجود الباري سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، وهم الكافرون والضالون بالحقيقة) أما أن طائفة فعلت ذلك، فعلى فرض صحة هذا الادعاء فهي المخطئة بلا شك ولا ريب، ولكن لحدِّ الآن لم أرَ من يصرح بأسماء من تبنى هذا القول، بل كل مَنْ تكلم فيه ينسبه إلى طائفة من الأشاعرة وبعضهم إلى طائفى من المتكلمين!

فمن هم هؤلاء؟ لا أحد يدري من هم المقصودون، ولا يبعد عدم وجودهم أصلاً أو أنهم إن وجدوا فإنهم ليسوا من الأئمة الذين تعتبر أقوالهم أو حتى لو كانوا كذلك فقد صرح أئمة المذهب ببطلان هذا القول وفساده، فماذا بعد هذا ؟

بل من أقرب الناس إلى ابن رشد الذين صرحوا ببطلان هذا القول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد قال في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد:

" التمهيد الثالث في بيان أن الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات.

اعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو من فروض الكفايات، فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد اتضح لك برهانه في تمهيد الثاني، إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجازم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان، وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك فرض عين .انتهى"

وقد فصل في التمهيد الثاني رحمه الله تعالى في هذا المعنى، وذكر كلاماً لا يوجد له نظير في كلام غيره من العلماء.

وقد كان أولى الناس بأن يعرف هذا الكلام هو ابن رشد لما أنه نصب نفسه معارضاً للغزالي في كافة كتبه تقريباً، ولكن التعصب وعدم القدرة على بيان خطأ الغير ربما يجر الواحد إلى قول ما ليس بواقع ولا صحيح.

ونحن لا نريد أن نتوسع في بيان رأي أئمة الأشاعرة في هذه المسألة، لأنه يطول عندئذ، وما أشرنا إليه كاف للمنصف، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتب أئمة الأشاعرة أهل السنة، وإلى ما كتبناه في أصول الدين، ككتاب المسائل وكتاب غرر الفرائد، وكتاب شرح مختصر ابن الحاجب وشرح أصول الاعتقاد وغيرها كثير، وما التوفيق إلا من الله تعالى.

ولكن لا بدَّ أن نقول أن بعض الأشاعرة كغيرهم من المتكلمين كفَّر من لم يعرف وجود الله تعالى بالدليل، بل من قلَّد في ذلك، وقصد بذلك أنه اذا لم يعرف أيَّ دليل مطلقاً لإثبات وجود الله تعالى فهو كافر، لأن هذا لا يأمن الشك أن يتوارد إلى نفسه في أي وقت.

وأما أن يوجب معرفة الله تعالى فقط عن طريق الأدلة التي وضعها هو فهذا باطل، فلم يقل به أحدٌ ممن أعرفهم، وحتى القائلون بتكفير المقلِّد فقولهم باطل أيضاً كما ينص عليه أهل السنة من الأشاعرة، وأقرب هذه الكتب إلى أيدي الناس في هذا الزمان هو كتاب شرح جوهرة التوحيد، فليرجع اليه من يريد معرفة الحق. والله المستعان.

فهذا هو حاصل كلام ابن رشد، فمن هو السفسطائي على الحقيقة، هل هو الذي يكيل الاتهامات كيلاً دون دليل ولا بينة ؟ أم هو من يتحرى الصدق في أقواله ويبالغ في تحرير أدلته وأدلة الخصم حتى لا يظلمه بعد ذلك في محاكمته ؟

فسبحان الله ما أقرب ابن رشد إلى ابن تيمية في هذه الناحية، ولعلهما كذلك لأخذهما الأقوال ومنهج التفكير من مصدر واحد؟ فتأمل.

وأدعو الله تعالى أن ييسر لي من الوقت والهمة ما يكفي لتعقب ونقد كلام ابن رشد كما فعلت بابن تيمية.

تنبيه

وأما هل يوجد مَن ردَّ على ابن رشد في كتابه تهافت التهافت، وحكم بينه وبين الإممام الغزالي؟ فأقول لك: نعم، فبين يدي الآن كتاب الذخيرة، للعلامة علاء الدين الطوسي المتوفى سنة سبع وثمانين وثمانمائة، الذي أمره السلطان محمد خان العثماني الفاتح أن يصنف كتاباً للمحاكمة بين التهافت للغزالي وبين الحكماء، فكتب هذا الكتاب في ستة أشهر، وأعطاه السلطان محمد خان عشرة آلاف درهم مكافأة له.

ومن الذين اهتموا بكتاب الغزالي أيضاً وكتب رداً على الفلاسفة أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي المتوفى سنة 626هـ، في كتابه لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول.

ويمكن أن تأخذ كتب الإمام الرازي وغيره من المتكلمين الكبار كالسعد وعبد الحكيم والشريف والعضد والكلنبوي والدواني وغيرهم كثير كثير، فهي كلها تحتوي على الفلاسفة في المسائل التي أثارها الإمام الغزالي وغيرها.

ملاحظة: أذكر كتاباً آخر ألف في المحاكمة بين الغزالي وابن رشد، لأحد العلماء في نفس زمان الطوسي المذكور صاحب الذخيرة، فقد كان كل منهما يتنافس لتصنيف الكتاب في هذا الموضوع في أقصر وقت، لا أذكر الآن اسمه [2].

على كل حال فقد تبين لنا وجود أكثر من عالم اهتم بهذه المسألة ولله الحمد.

ولا يخفى على عقلك الوقاد أن مَنْ لا نعرفه من الكتب والعلماء أكثر من المعروف.

 


 

فصل

 

هذا الفصل الأخير نختم به الكلام في هذه الورقات/ ننقل فيه تحقيقاً ملخصاً موضحاً في مسألة زيادة الصفات وعدمها للعلامة السيد عبد الرحيم الكردي الملقب بالمولوي في كتابه المفيد [الوسيلة في شرح الفضيلة] ص538 قال:

"(الوقر السادس في توجيه بعضهم لقول القائلين بالزيادة والقائلين بالعينية بحيث يجتمعان.

اعلم أولاً أنه ذهبت الفلاسفة إلى أن صفاته تعالى عين ذاته وحذا حذوهم المعتزلة متمسكين بأن في إثبات الصفات ابطالاً للتوحيد؛ لأنها موجودات قديمة مغايرة لذاته تعالى، ومتغايرة فيما بينها، فيلزم قدم غير الله، وتعدد القدماء، والقول به كفر.

على أنها إذا كانت مغايرة لذاته تعالى، فإن كانت واجبة لذاتها لزم القول بتعدد الواجب لذاته، أو ممكنة احتاجت إلى علة مؤثرة لا يجوز أن تكون غير الله سبحانه؛ للزوم احتياج الباري إلى غيره في صفاته فتعين ذاته، فأما أن تنسب إلى ذاته بتوسط الإرادة فيلزم التسلسل في بعضها والحدوث في كلها، لأن أثر المختار حادث، أو بالاضطرار فيلزم إيجابه فيها، تعالى عن ذلك علواًَ كبيراً، فوجب أن تكون صفاته عين ذاته تعالى، لا بمعنى أنها أمور موجودة وهي عين ذاته تعالى بداهة امتناع اتحاد الصفة مع الموصوف، بل بمعنى أن الآثار الصادرة من الذات بتوسطها تصدر من نفس الذات الواجب بدون توسط شيء هناك. نعم قالوا بصفات معنوية ككونه تعالى حياً إلى آخر الصفات وهي عندهم من الأحوال، بمعنى ما ليست معدومة في نفس الأمر ولا موجودة في الأعيان، ولا بأس في اعتبارها وفي ذلك حقيقة التوحيد.

وذهب جمهور أهل السنة إلى أنها غير ذاته تعالى وزائدة عليه حيث نطقت النصوص بأنه تعالى حي عالم مريد قادر سميع بصير متكلم، وصدق المشتق على شيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له، وليس المأخذ الذي هو الحياة والعلم ونظائرهما من الاعتباريات كالإمكان والوجوب والامتناع حتى يقال بزيادتها على الموصوف ذهناً لا عيناً، بل هي حقائق عينية، فإن العلم مفقود في زيد مثلاً، ثم يحصل فيزداد شيئاً فشيئا،ً وبه يحصل التفاوت بين الناس، وليس المراد بهذا الكلام القياس حتى يقال: إن قياس الغائب على الشاهد غير مفيد، مع أن ما يفيده القياس هو الظن، ولا يعتبر في الاعتقاديات، بل المقصود التنبيه على بداهة كونه عينياً بملاحظته في زيد، فإنَّ العلم علم، وإن كان للذات قديماً شاملاً وفينا حادثاً وغير شامل.

وما يقال أنَّ دعوى البديهة في محل النِّـزاع غير مسموعة مخصوص بما لم يكن بديهياً جلياً يعترف به كل منصف، وإذا كانت حقائق عينية كانت زائدة على الذات ذهناً وعيناً ومغايرة له فيهما ومتغايرة فيما بينها.

وردوا على المعتزلة بأن المحذور تعدد القدماء التي هي ذوات مستقلة لا التعدد الحاصل من وجود ذات موصوف بصفات قديمة، وأن الصفات ممكنات خاصة بالذات ومستندة إلى ذاته تعالى فحسب، والايجاب في ثبوت صفات الكمال كمال.

واشتهر عن الشيخ الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أن صفاته تعالى زائدة على ذاته وليست عينه ولا غيره، ولما كان هذا جمعاً ودفعاً للنقيضين أولوا كلامه بابتنائه على اصطلاح جديد في معنى الغير خلاف معناه اللغوي من نقيض هو هو، وقالوا إن الصفات كما أنها ليس عين الذات كذلك ليست غير الذات لامتناع الانفكاك بينها وبين الذات، فلا محذور في تعددها وقدمها لعدم مغايرتها لذاته تعالى، وقد سبق منَّا نقلاً عن المحقق عبد الحكيم مراد الشيخ، وأنه لم يأت باصطلاح جديد في معنى الغير فراجعه. اهـ.

أقول: كلامه هذا جيد ومفيد في تلخيص كلام القوم، وتنبه إلى أن القول الذي وضحه عن أهل السنة إنما هو قول جمهور المتأخرين ومنهم الإمام السعد والرازي في أن الصفات ممكنات في ذاته مستندات إلى الذات الواجبة في ذاتها، وأن كل صفة هي غير للصفة الأخرى، وهذا الكلام فيه ما فيه.

نقل العلامة المرجاني في حاشيته ص 296 الجزء الأول كلاماً مفيدا عن الشيخ أبي الشكور محمد بن عبدالله السالمي رحمه الله تعالى في التمهيد، قال:

" صفات الله تعالى واحدة في الحقيقة لا تدخل تحت العدد، فأما تأثير وأسماء معدودة من أنكر صفة من صفات الله تعالى يصير كافراً فهي معدودة بالاسم والتأثير، والإيمان بالكل واجب وصفاته كلها واحدة في الحقيقة حتى أنه لو قال إن قدرة الله تعالى وحيته شيئان أو غيران اثنان ليصير كافراً. فنقول : إن الحياة صفة الله تعالى والقدرة صفة الله تعالى والقدرة ليست هي الحياة ولا غيرها كما في الصفة والذات لأن صفاته ليست من المعدودات، فنقول: إن الله تعالى يوجد بصفاته، وهذا هو المذهب عند أهل السنة والجماعة .انتهى كلامه.

 

خاتمة

هذا ما تيسر لي كتابته مع انشغال الذهن وضيق الوقت ودقة المسألة، أدعو الله تعالى أن تكون هذه الكلمات كافية ومعينة على درك الصواب، وما توفيقنا الا بالله تعالى.

 

سعيد فودة

الثلاثاء 4/1/1994م

وليس لنا وراء الله تعالى مذهب ولا غاية

 

 


 

[1]        هذه الرسالة كتبتها ردَّا على سؤال وجهه اليَّ  أحد الأفاضل الذين عرفتهم في هذا الزمان وهو الأخ العزيز جلال علي الجهاني الأشعري المالكي وفقه الله تعالى.

[2]        اسم مؤلف كتاب التهافت المشار اليه كما رأيته بعد ذلك في الشقائق النعمانية لطاشكبرى زاده هو المولى خواجه زاده، العالم المشهور، قال صاحب الشقائق في ص61:" ثم إن السلطان محمد خان أمر المولى المزبور -أي المولى علاء الدين الطوسي- والمولى خواجه زاده أن يصنفا كتابا للمحاكمة بين تهافت الإمام الغزالي قدس سره  والحكماء، فكتب المولى الطوسي وأتمه في ستة أشهر وسمى كتابه بالذخر وفضلوا كتاب المولى خواجه زاده على كتاب المولى الطوسي، وأعطى السلطان محمد خان لكل واحد منهما عشرة آلاف درهم، وزاد خواجه زاده خلعة نفيسة" أهـ.

وقال طاشكبرى زاده في ص83:" وسمعت عن ثقة أن المولى ابن المؤيد لما وصل الى خدمة المولى الواني قال له بأي هدية جئت الينا. قال كتاب التهافت لخواجه زاده. قال ذاك هو الرجل المبروص. قلت ليس هو بمبروص . قال:انه هو مشهور في بلادنا بذلك. قال فدفعت اليه الكتاب المذكور، فطالعه مدة. ثم قال : رضي الله عنك وعن مؤلفه، قد كان في نيتي أن أكتب في هذا الباب كتابا ولو كتبت قبل أن أرى هذا الكتاب لافتضحت. اهـ.

وهذا كله يعبر عن عظيم منـزلة هذا الكتاب بل عن عظيم منـزلة المولى خواجه زاده في علم المعقولات، وأنا ما زلت أتمنى أن أرى هذا الكتاب منذ أكثر من عشرة سنوات، والله الموفق.