نسخة وورد

 

 


 

 

مِـنَــحُ الوَدُودِ

في بيـــَـانِ مَـذْهــَبِ

وحْدَةِ الوُجــُـودِ

 

تصنيف

الأستاذ العلامة المتقن

سعيد فودة

حفظه الله تعالى

 

1423 هـ - 2002 م
 


 

[ اعلم أيها القارئ العزيز، أني لستُ عدواً للصوفية، ولا منكراً لوجود أولياء الله وكرامتهم.

وأعترفُ بأنَّ علم العلماء قد لا يكفي في إصلاح الناس وتهذيب نفوسهم، بل وفي تهذيب العلماء أنفسهم، فتحصل الحاجة إلى الطرق الصوفية لإكمال هذا النقص بتدريب المسلمين وتمرينهم على العمل بمقتضى علم العلماء من أحكام الشرع الأنور، لا لمصادمة علم العلماء ومذاهب أهل السنة في أصول الدين وفروعه.

ولستُ أيضاً من الوهابيين الذين لا يحترمون عباد الله المكرمين بعد موتهم.

ولا أدعي الفضل على أحد، ولا أحسدُ أحداً على فضله.

ومع هذا كله فإني عبد الله، لا عبد أي أحد اشتهر بأنه ولي من أولياء الله، فلا أضحي بمقام ربي جل وعلا لمنـزلة ذاك الولي عند الناس، ولا أعترف له بامتياز أن يقول في ذات الله ما لا يقبله العقل ولا شرع الإسلام، ولا بامتياز أن يفسر كلام الله وكلام رسوله بما يشاء هواه ويشبه التلاعب بهما أو يضاد ما سيقا له ].

 

 موقفُ العقلِ والعِلْمِ والعَالَمِ (3/92)

شيخ الإسلام

مصطفى صبري

رحمه الله تعالى

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقـدِّمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين:

وبعد:

ربما كانت مسألة وحدة الوجود من أهم المسائل العويصة والكبيرة التي دار حولها البحث والنظر بين أطراف عديدة، لا في التاريخ الإسلامي فقط، بل في تاريخ الفكر الإنساني بشكل عام، ولا أقول إن هذه النظرية كانت منتشرة مقبولة بين الناس منذ أوائل التاريخ الإنساني، لا، بل أقول فقط إنها كانت من المسائل التي وضعها العقل الإنساني تحت النظر والبحث، بل أستطيع أن أقول أكثر من ذلك، إن هذه المسألة لم تزل من المسائل المردودة منذ أبعد الأزمان والتاريخ، إلا عند طائفة محصورة معدودة من الفلاسفة الذين لم يكتب لأرائهم النجاح والانتشار والقبول مقارنة بغيرها من المسائل.

إن فكرة توحيد الله تعالى هي الفكرة الأبعد والأكثر قبولاً عند الجنس البشري، وتوحيد الإله، لا يعني من قريب ولا من بعيد، المعنى الذي يريده القائلون بوحدة الوجود، فالإيمان بوحدة الله تعالى أساسه هو الاعتقاد بأنه لا واجب للوجود إلا هو عز وجلَّ، وأنه هو الفاعل المختار، لا مؤثر في الوجود إلا هو، وأنه لا اشتراك بينه وبين المخلوقات في حقيقة الذات ولا في حقيقة الصفات، وإن كان الاشتراك في الإطلاق اللغوي حاصلاً بين الخالق والمخلوق في بعض الألفاظ، كاسم العالِم، يطلق على الإنسان وعلى الله تعالى، واسم السميع والبصير، وغيرها، فالاشتراك واقع فقط في اللفظ، ولا اشتراك في المعنى. وأما الاشتراك في الأحكام والاعتبارات والنسب فلا محذور منه، كما هو معلوم، وبناء عليه تجوز القسمة إلى الواجب والممكن، والقديم والحادث.

وفكرة التوحيد كما هي عند أهل السنة لا تنافي تعدد الوجود والموجود، كما سيتضح، فتكثُّر الوجود والموجود، هو أساس التوحيد عند أهل السنة، بمعنى أن التوحيد إنما هو حصر الوجود الواجب في الله تعالى، ولا يتضمن ذلك نفي الوجود الجائز عن المخلوقات.

والحقيقة أن مذهب وحدة الوجود من المذاهب المشكلة الخطيرة، وسوف أوضح جهة الخطورة في ما سيأتي من المباحث.

وأساس هذا المذهب هو الاعتقاد بأنه لا وجود إلا لله تعالى، وأن المخلوقات لا وجود لها، وإنما ينسب إليها الوجود على سبيل المجاز، وأما في الحقيقة فلا وجود لها مطلقاً.

وهذا هو المقصود من القول بوحدة الوجود، فلا موجود مطلقاً إلا الله تعالى، أو لا وجود مطلقاً إلا لله تعالى، وما يظهر لنا من ذوات موجودة، فإنه لا وجود لها غير عين وجود الله تعالى، فهي قائمة بعين وجوده عز اسمه، ومذهب وحدة الوجود يستلزم أن إثبات الوجود مطلقاً لغير الله تعالى إنما هو نوعٌ من أنواع الشرك، والتوحيد عندهم، إنما هو نفي الوجود عن كل ما سوى الله، واعتقاد أن كل السوى هو عين الله. فتكثر الوجود منفي عندهم، ويتبقى وحدة الوجود.

وكما هو واضح، فإنه يوجد فرق عظيم بين اعتقاد أهل السنة وبين اعتقاد أهل الوحدة. وهذا ما سأوضحه في هذه الرسالة.

ولا بد أولاً من أن أذكر السبب في تأليف هذه الرسالة، والغاية منها، فلا شكَّ أن كل فعل حكيم من أفعالنا الحادثة، له سبب وله غاية.

إنني مع طول صحبتي لعلم التوحيد، ومحبتي له، ومعرفتي للعديد من تفاصيله، اتَّضح عندي علوُّ شان هذا العلم، وتبين لي لماذا سماه علماؤنا المحققون بعلم أصول الدين، وما ذلك إلا لعلو شأنه وعظيم خطره، في تصحيح الآراء، ونقد الأوهام، والتفريق بين الحق والباطل من الميول والأفكار، فهو العلم الحاكم على سائر العلوم، ومنه تستمد سائر العلوم أصولها الكلية، وتنبني عليه أهم قواعدها. ومنه عرفت أن الله تعالى أوجب على المكلفين نقد الآراء الباطلة، ونصرة الحق اليقين، ودفع أوهام المتوهمين، والرد على القائلين بغير علم.

ولذلك لما رأيتُ في بعض الأزمان أن مذهب التجسيم انتشر بين الناس، وطالت مبادئه حتى عقول المثقفين، وحملة الشهادات العالية، فقد تمسكوا بمفاهيم مذهب التجسيم، حتى دون أن يعرف بعضهم أنهم كذلك، وانخدع كثير منهم بأسماء لامعة قدَّرَ الله تعالى أن تبرز لحكمة لا شك فيها، تفيد تمييز الصادقين عن غيرهم. فلما رأيتُ ذلك، لم يمنعني ما أحيطَ به هذا المذهب من أنصار وأعوان، وتنوع وسائلهم التي يملكونها في إشاعة مذهبهم، من أن أردَّ عليهم ببيان حقيقة اعتقادهم، بأسلوب لا أظن أحداً من أهل هذا العصر قام به، وكان هدفي من ذلك هو تمييز الحق عن الباطل، فمن اتبع الحق فإنما يتبعه عن بينة، ومن يتبع الباطل فلا حجة له.

ولما كان سبيل الحق واحداً، وسبل الباطل متكثرة متعددة، لم يقتصر الباطل على مذهب التجسيم، بل كانت له صور متنوعة، وأشكال مختلفة، وكم كان عجبي عندما عرفت أنَّ مذهب وحدة الوجود لا يزال له في الوجود نصير وأعوان، وكثير من هؤلاء من المشايخ الذين ينتسبون في ظاهر كلامهم إلى الأشاعرة من أهل السنة، بل يصرِّحون أن مذهب وحدة الوجود مطابق لما يقوله السادة الأشاعرة، وكان أن مال إليهم بعضُ من أعرفه ويعرفني، والعجب أن كثيراً من أساليب المجسمة يتبعها هؤلاء في استجلاب الأعوان والأنصار، حتى وإن كانت ممنوعة شرعاً، أو مؤدية إلى مفاسد لا تعد ولا تحصى.

وأكثر الذين يؤيدون وحدة الوجود إن لم يكن جميعهم، هم من الصوفية، أي المنتسبين إلى التصوف، ولا أقول إنَّ الصوفية كلهم يقولون بوحدة الوجود، لا بل كثير من الصوفية ينفون وحدة الوجود، ويرفضونها، ولكن غاية ما أقوله هو أن أكثر القائلين بالوحدة، من الصوفية.

وأيضا فقد لاحظت أن كثيراً من هؤلاء يدعون في أول الطريق أنهم منتسبون إلى الأشاعرة، وأن عقائد الأشعرية موافقة لمذهب وحدة الوجود، وهذا ادعاء كبير لا دليل لهم عليه، وواقع الأمر أن الصوفية القائلين بوحدة الوجود (وليس كل الصوفية كذلك) إنما يدعون انتسابهم إلى الأشعرية،  لأنهم يعرفون أن الأشعرية هم أكبر الفرق الإسلامية، والانتساب إلى أكبر الفرق الإسلامية أمر يحميهم من أعدائهم.

وأعتقد أن من سنَّ لهم هذا الأمر إنما هو ابن عربي الحاتمي الصوفي المشهور، صاحب الفتوحات المكية، الذي جعل في صدر كتابه هذا مختصراً في العقائد وصفه بأنه "عقيدة العوام"، وهو عبارة عن ملخص لعقيدة الأشعرية، ولم يبتدئ ابن عربي كتابه هذا بهذا المختصر إلا ترويجاً له بين الناس، لا اعتقاداً خالصاً بهذه العقيدة.

وقد انخدع بذلك كثيرٌ من الناس والعلماء فصاروا يتوقفون في مسائل كثيرة موجودة في كتب ابن عربي لملاحظتهم ابتداءه بهذه العقيدة في أول كتابه، فيقولون كيف يمكن أن يقول ابن عربي بعقيدة وحدة الوجود وقد ابتدأ كتابه بعقيدة الأشاعرة؟! وكيف يمكن أن يقول ابن عربي بالفيض الفلسفي وهو قائل بعقيدة الأشاعرة؟! وكيف وكيف... بل صار بعض العلماء إذا أراد أن يوضح عقيدة ابن عربي يكتفي بذكر هذا المختصر المشار إليه.

وكل ذلك في نظري غير صحيح ولا موافق للتحقيق، لأن الصحيح أن ابن عربي وإن ابتدأ كتابه بذلك المختصر، إلا أنه سماه بعقيدة العوام، وعقبه بعقيدة الخواص وخاصة الخاصة، ثم إنَّ لابن عربي كتباً كثيرة غير هذه الصفحات التي ابتدأ بها "الفتوحات المكية"، وكثير من هذه الكتب فيها من العقائد ما يخالف ما صرح به في عقيدته تلك. فكيف يجوِّزُ الباحث لنفسه أن يجعل من هذا المتن المختصر حاكماًَ على كل تلك الكتب والكلمات المصرحة بالخلاف؟ إن هذا لعمري انحراف عن الحق.

ولنرجع إلى وحدة الوجود، فهي لم تكن مقصورة على ابن عربي، بل قال بها غيره، ممن سبقه ومن تلاه.

قلتُ سابقاً: إن هناك سبباًَ دفعني إلى الشروع في كتابة هذه الرسالة، وهو أن بعض الناس في هذا الزمان قالوا بمذهب وحدة الوجود أو مالوا إليه، ولما كنت أعلم أن هذا المذهب مخالف لعقيدة أهل الحق، أردتُ أن أحرر كلاماً ولو مختصراً في نقد ذلك، وبيان انحرافه عن الحق. وقد نظرت في واقع هؤلاء ورأيت أنهم يدورون على كلام ابن عربي أساساً، ويستأنسون بغيره من الناس، ولكن محورهم هو ابن عربي، وشراحه.

ومن أكبر من صرح بوحدة الوجود على طريقة ابن عربي الشيخُ عبدُ الغني النابلسي، صاحب رسالة (إيضاح المقصود من وحدة الوجود)، وله كتاب آخر في نفس الموضوع، أسماه (الوجود الحق والخطاب الصدق).

وقد عرفت أن هؤلاء أشاعوا الرسالة المسماة (بإيضاح المقصود) بينهم، واعتمدوها بيانا لعقيدة وحدة الوجود، وقد اغتر بعضهم بما فيها من كلام، وتابعهم الآخرون من غير فهم بل لمجرد تقليد ناشيء عن محبة شيخٍ وتوقيره، أو عن مجرد هوى نشأوا عليه، وصاروا يستخفون بكلام العلماء من أهل السنة يقدمون كلام هؤلاء على كلامهم.

وهذه الرسالة كتبها الشيخ عبد الغني ليوضح فيها معنى وحدة الوجود الذي ينبغي على الناس –حسب رأيه- القول به، ويدافع عنها، ويقرر بعدة وجود أن مذهب الأشاعرة موافق لوحدة الوجود.

وهذا الادعاء غريب، وقد استنكرتُه لما رأيته، وتعجبت كيف يصرح واحد مثل الشيخ عبد الغني بذلك الرأي والادعاء، ويتجاهل كثيراً من قواعد الأشاعرة لا تتوافق مع القول بحدة الوجود ولا مع مقتضياتها، بل تنافرها وتناقضها، وتخالفها أشد المخالفة.

ولما رأيتُ الرسالة، أحببت أن أكتب عليها بعض التعليقات والنقود، وذلك بياناً للرأي الذي يوافق عليه علماء أهل السنة، وإرشاداً للقاصر، ودفعاً للمغتر بمثل هذا الكلام عن أن ينجرف وراء تأويلات فاسدة لقواعد التوحيد، كان ينبغي أن لا تنطلي على المبتدئين فضلاً عن أن يغتر بها من يعتبر نفسه مبرزاً في علم التوحيد.

ولكن وإن كنت أقول ذلك، فإنني أعرف أن بعض المسائل خاصة في علم التوحيد قد تكون واضحة عند البعض، أشد الوضوح، وهي عينها مشكلة في أشد مراحل الإشكال عند غيرهم. وخصوصاً إذا كان الناظر قد تلبس أصلاً بمحبة وتقليد من هو قائل بمذهب وحدة الوجود، فكيف إذا كان يعتقد بولايته وبأنه خاتم الأولياء، أو أعظم العارفين وسيدهم، وكيف إذا كانوا يعتقدون أنه لا يقول بأمر إلا إذا أوحى الله تعالى به إليه، فهو لا يكتب شيئا إلا بأمر، وإلا بوحي، وإلا بكشف، فهو العارف الذي يدور على كلامه العارفون، فهو قطب الرحى وحجر الزاوية، وعمود الخيمة.

وإذا كان القائل بذلك المذهب يعتقد أن المخالف لمذهب وحدة الوجود لم يترقَّ بعد إلى مراتب التحقيق، ولم تدخل في نفسه معاني الدين، ولم يخرج عن طور العقل الظاهر، فهو لا يعرف المعاني الباطنة للكلام، والعقل عند هؤلاء ليس إلا أوهاماً وخيالات دائرة على انخداع بأمور يستقيها الواحد من الحواس الظاهرة، فالعقل لا يفيد في المعارف الحقيقية، ولا بد من الكشف والمعاينة، حتى يتبين لك أن وجود الحق ليس غير وجود الخلق، فالوجود واحد، والحق واحد.

إذا كان الناس القائلون بهذا المذهب يعتقدون بهذه الآراء، فكيف نرجو منهم أن يعيدوا النظر بما يقولون، وهم لا يعتبرون غيرهم يستحقون القول أصلاً، فالأغيار هم أصل الجهل، وهم أهل الظاهر المحتجبون عن الحق بالمظاهر، وهم المتعلقون بالرسوم وقد غابت عنهم الحقائق.

والحقيقة أن المسألة أكبر من أن أدعي حلَّها بهذه الرسالة الصغيرة، ولكن ربما تكون هذه الرسالة فاتحة لبحوث أخرى تدور حول نفس الموضوع، تجلي أغواره، وتنبه الناس إلى المحذورات العديدة المترتبة على القول به، ولعمق الموضوع فقد أردت أن أهتم بمناقشة رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي فقط، والاهتمام ببيان المغالطات التي وقع بها، والمعاني الباطلة التي أودعها في هذه الرسالة، فهي وإن كانت صغيرة الحجة إلا أن فيها أصولا عديدة ينبني عليها مذهب وحدة الوجود. فربما إذا بينت خطأ بعض هذه القواعد، وأظهرت بوضوح مخالفة وحدة الوجود لمذهب أهل السنة الأشاعرة، ربما يكون هذا دافعاً للبعض لكي يعيد النظر في موقفه، ويحاول أن يتجرد من جميع العلائق الدنيوية التي يتلبس بها، لعل ذلك يكون مساعداً له للخروج من ظلم نفسه وغيره. فالناظر إذا لم يجرد نفسه ن العلائق الغريبة عن محل النظر، لا بد أن يقع في الغلط والمغالطة.

وعلى كل حال، فهذه الرسالة دعوة إلى الإخوة المخالفين والموافقين لإعادة النظر لتحرير العقل والفكر من الأوهام العالقة فيها، ولا يضير هذه الدعوة أن يتخللها نقد صريح، ربما يجرح البعض، ويضايقه، ولكن هذا من لوازم النقد، فلا يعيبه، ومن وجد فيها خطأ أرجو منه أن يدلني عليه، ويصوبني فيه، فإنما العلم يتكامل بالنقد والمراجعة والتحرير الصريح المبني على القواعد العلمية المقررة عند المحققين من علمائنا.

والله الموفق

سعيد فودة

وليس لنا إلى غير الله حاجة ولا مطلب

 


 

تمهيد

موضوع هذه الرسالة هو بيان المفاسد التي يشتمل عليها مذهب وحدة الوجود، وسوف أقسمها إلى قسمين رئيسيين:

الأول: يحتوي على بيان مفهوم وحدة الوجود بأوجز شكل ممكن.

والثاني: يحتوي على نقد رسالة الشيخ عبدالغني النابلسي (إيضاح المقصود من وحدة الوجود).

وغايتي من هذه الرسالة أمران:

الأول: بيان فساد مذهب وحدة الوجود.

الثاني: بيان أن مذهب وحدة الوجود لا يمكن أن يكون متوافقاً مع عقيدة الأشاعرة، وأنه لا يمكن أن يكون الواحد من الناس قائلاً بوحدة الوجود، ويدعي أنه أشعري، وبعبارة أخرى، إن المذهب الاشعري لا يمكن أن يجتمع مع عقيدة وحدة الوجود.

ولا أدعي أنني سأستوفي البحث في هذا الموضوع، بل مرادي إنما هو لفت أنظار القراء والمهتمين، إلى خطورة هذا المذهب، وبعض لوازمه الفاسدة، وذلك على حسب ما يتيحه الوقت والظرف.

وأنا لا أشك أنه سيكون لي كلام تفصيلي وتام في بحث مختلف نواحي هذا المذهب والرد على القائلين به وبيان غاياتهم المختلفة في كتاب مستقل إن شاء الله تعالى، وحتى ذلك الحين أرجو أن يكون بحثي هذا محققاً لما رجوته منه.


 

الباب الأول

في بيان مذهب وحدة الوجود

 

إن مذهب وحدة الوجود عويصٌ متعدد الأطراف، كثير الفروع والجوانب، ولكنه مع ذلك ينبني على أصول كلية، مشتركة، وسوف أبين هنا أهم هذه الأصول وأشير بعد ذلك إلى بعض الأمور المتفرعة على هذه الأصول، وإن كان القوم يختلفون في بعضها، وكان بعضهم يصرح بها وبعضهم يلوح.

وسأحاول فيما يلي أن أوضح بأقرب صورة محور هذه القضية.

عندما يقول الواحد: "أنا موجود"، فإنه يفهم ما معنى ذلك، وكذلك فإن السامع لهذا الكلام يفهم أيضا ما يريده المتكلم، وخلاصة هذا المعنى هو إثبات الوجود للذات، وعندما يقول آخر "أنا موجود"، فإن نفس السامع يفهم أيضا إثبات الوجود للآخر، ويفهم من ملاحظة العبارة الصادرة عن الأول، والعبارة الصادرة عن الثاني، أن وجود الأول غير وجود الثاني، وهذا الفهم هو الفهم الظاهر المتبادر إلى ظاهر العقل، وهو الموافق للغة، ولا يصح للواحد أن يقول إن المتبادر إلى الفهم، هو أن وجود الأول نفس وجود الثاني، نعم قد يقال إن وجود الأول، مثلُ الوجود الثاني، ولكن أن يقال إنه هو عينه، فلا، ويوجد فرق كبير بين أن يقال إن الشيء مثل الشيء، وبين أن يقال إنه هو عينه، فالمثلية لا تثبت إلا بالتغاير، بخلاف العينية.

وكذلك فوجود الجبل مفهوم،  ووجود هذا البيت مفهوم، ولا شك أن وجود الجبل غير وجود البيت. وسوف أوضح ذلك بشكل أكبر:

إننا عندما نقول البيت موجود، فإن معنى هذه العبارة يتضمن إثبات "كون البيت موجودا"، وهذا لا بد أن يسبقه إثبات الوجود للبيت، بمعنى أنه لكي يشتق اسم لشيء، فيجب أن يكون الشيء موصوفا بأصل مصدر هذا الاسم، أي أصل مصدر الاشتقاق، وبعبارة أخرى، فلا بد من إثبات كون البيت له وجود، فالقول بأن البيت موجود، يسبقه الاعتقاد بإثبات الوجود للبيت.

وكذلك فعندما نقول: إن الجبل موجود، فخلاصة هذا الكلام إنما هو إثبات وجود للجبل، بنفس الأسلوب السابق.

فالحاصل من هذا الكلام أننا نثبت وجودا معيناً للجبل، ووجودا آخر للبيت، والمتبادر للذهن والعقل، هو أن الوجود الأول غير الوجود الثاني، فهاهنا وجودان اثنان، كل منهما غير الآخر في الخارج، أي في العالم الخارجي، وإن كان أصل المعنى المتبادر إلى ذهننا من إثبات الوجود للجبل مثل المعنى المتبادر إلى ذهننا من إثبات الوجود للبيت، بل ربما لا يبعد أن يقال إن المعنى المتبادر في الحالة الأولى هو عين المعنى المتبادر في الحالة الثانية.

ولكن، هل كون المعنى المتبادر هو عينه في الحالتين أو مثله، هل يقتضي هذا أن يكون ما صدق عليه المعنى في الحالة الأولى هو عين ما صدق عليه المعنى في الحالة الثانية؟!

إننا لا نشك لحظة في أن المصداق متغاير في الحالتين، وتغاير المصداق لا يستلزم تغاير المعنى المتبادر كما لا يخفى، ونحن لا نقصد بالمعنى الصورة الخيالية المستحضرة في الذهن عند قولنا الجبل موجود، بل لا نقصد أكثر من استحضار مفهوم الوجود ومعناه، لا الصورة الجبلية ولا الصورة البيتية، فهاتان الصورتان وهميتان، بمعنى أنهما حاضرتان في الوهم لا في العقل، ومقام الكلام هنا إنما هو العقل لا الوهم.

نخلص من هذا الكلام كله، أن معنى الوجود مفهومٌ بداهة، أو يكاد يكون كذلك، ولا نريد بالمعنى حقيقة الوجود، بل لا نريد أكثر من مفهومه الحاضر في الذهن عند الحكم به على الماهيات كالجبل والبيت، وغيرهما.

وأيضا، فإننا رأينا أن التغاير في الوجود المتحقق في الخارج هو الأصل، وهو المتبادر إلى الذهن، ولذلك قلنا إن وجود الجبل في الخارج غير وجود البيت في الخارج، وإن كان معنى الوجود لهما واحدا في الذهن. فالاتفاق في المفهوم لا يستلزم الاتفاق في المصداق، وهذا الفرق مهم جداً لا بدَّ من ملاحظته.

وما مضى كان عرضاً سهلاً لما يقول به أهل السنة وأكثر الفلاسفة والمتكلمون في هذه المسألة.

وأما غيرهم، فقد قالوا: إن ما يظهر لنا أنه تكثر في الوجود الخارجي فما هو كذلك، بل هذا محض الوهم، والواقع في الخارج ليس إلا وجوداً واحداً، ولكنه يظهر في صور كثيرة، بمعنى أن الموجود فعلاً إنما هو واحد حقيقي، لا كثرة وجودية فيه، وأما ما نلاحظه من كثرة، فإنما هي كثرة وهمية، أو إضافية اعتبارية. وهؤلاء هم القائلون بوحدة الوجود، وسوف ننقل بعض كلامهم فيما يلي لنبين مذهبهم كما يريدون هم.

إن مذهب وحدة الوجود يعتبِرُ أن الوجود المتحقق هو الوجود الواجب فقط، ولا وجود للممكنات مطلقاً، فوجود الممكنات مستحيل في الخارج، والممكن المتحقق إنما هو تلبس الوجود الواجب بأحكام الممكنات. وهذا كما هو معلوم مخالف لما قرره أهل السنة من أن الممكن، إنما كان ممكناً، لأنَّ وجوده جائز، وعدمه جائز، أي إن العقل يمكن أن ينسب إليه الوجود، ويمكن أن ينسب إليه العدم، وأما على مذهب أهل الوحدة، فليس الأمر كذلك، لأن وجود الممكن عندهم مستحيل مطلقاً، فلا يمكن للعقل أن ينسب الوجود إلى الممكن.

والحقيقة أن هذا القول عندهم مترتب على القول بأن الوجود لا يمكن أن ينعدم، ولا يمكن أن يطرأ، بمعنى أنه لا يمكن أن يحدث وجودٌ بعد عدم، ولا أن ينعدم وجودٌ، فلا يوجد خلقٌ للوجود، بل الخلق إنما هو تقدير للوجود عندهم، أي أن الخلق إنما هو تصوير الوجود بقدر وبصفة الممكن، وهذا الوجود الذي يظهر بصفة الممكن هو الوجود الواجب لأنه لا وجود غيره عندهم، ولذلك يقولون إن الله تعالى –وهو الوجود الواجب- تجلى لذاته بأحكام الممكنات، وإنما الثابت عندهم مجرد رسوم وتقييدات للواجب الوجود، ولا يوجد موجود واجب وموجود جائز بل لا موجود إلا واجب.


 

الفصل الأول

قواعد وضوابط عامة في وحدة الوجود

 

سوف أورد فيما يلي بعض أهم الضوابط والقواعد التي يتميز بها مذهب وحدة الوجود، لكي أستعين بها فيما يأتي من المباحث.

 

أولاً: الوجود الممكن والوجود الواجب:

ينص أهل السنة على أن هناك وجودين: الأول وجودٌ واجبٌ وهو وجود الله تعالى، والثاني وجودٌ جائزٌ ممكن، وهو وجود العالم، وهو كل ما سوى الله تعالى من الموجودات. وهذا هو معنى تكثر الوجود الذي ألمحتُ إليه سابقاً، والوجود الممكن عندهم لم يكن ليوجد إلا بقدرة الله تعالى، وهو حادث، بمعنى أنه موجود بعد العدم، أي إنه موجود بعد عدم نفسه، وإيجاده هو فعل الله تعالى، ووجود العالم هو أثر إيجاد الله تعالى له، ونفس الإيجاد نسبة بين الله تعالى وبين العالم. وسوف يأتي بيان لهذا المعنى.

وأما القائلون بالوحدة، فهم يعتقدون أنه لا وجود إلا الوجود الواجب، وهو وجود واحد لا يتعدد ولا يتكثر، وأما العالم فهو موجودٌ بنفس وجود الله تعالى، لا بإيجاده، بمعنى أن العالم إنما هو صورة ومظهر للوجود الإلهي، ولم يحدث وجود العالم بعد عدمه، بل الحادث عندهم إنما هو صورة العالم بعد عدمها، والصورة عين المظهر الإلهي، ولذلك يقولون إن الله تعالى تجلى لنفسه.

 

ثانياً: الممكنات غير مستحيلة الوجود

إنَّ أهل السنة لما قسَّموا الموجودات إلى الواجب والممكنة، قالوا: إن الممكنات غير مستحيلة الوجود، ومعنى ذلك أن أي أمر ممكن، فمعنى إمكانه هو أنه يمكن وجوده ويمكن عدمه، وعند وجوده يجوز عليه الاتصاف بالصفات المتقابلة، كالحركة والسكون إن كان جسماً، أو الصفات المتقابلة إن لم يكن جسماً، وهذا على قول من قال بإمكان وجود غير الأجسام. فالملائكة عند هؤلاء ليسوا بأجسام ويجوز عليهم الاتصاف بالصفات المتقابلة فليس كل الملائكة على نفس الصورة.

ولكن القائلين بمذهب وحدة الوجود، لا يقولون بإمكان وجود الممكن، بل يقولون باستحالته، وإنما الممكن ينحصر بأحكامه، وماهيته، فالممكن عندهم مستحيل الوجود، وأما ماهيته، فمعنى إمكانها إنما هو قدرة الله تعالى على التلبس والظهور بأحكامها، فهو الظاهر في المظاهر، فالجسم مثلاً ليس موجوداً بوجود ممكن، فالماهية الجسمانية ظاهرة بعين الوجود الإلهي، فالله تعالى هو الذي تصور بأحكام الجسمية من الطول والعرض والارتفاع والحركة، والصورة الجسمانية الخاصة.

ومثال هذا الكلام الصورة الظاهرة على شاشة التلفزيون، كيف تظهر صورة بعد أخرى على نفس الشاشة، فالشاشة نفسها مظهر -أي المحل الذي يظهر فيه- تلك الصور المتلاحقة، واحدة بعد الأخرى، فلو رأينا سيارة أو رجلاً في التلفزيون، فلا يوجد لا رجل ولا سيارة فيه، بل الموجود فيه إنما هو صورة الرجل والسيارة، وأحكام الرجل والسيارة، فالأشعة التلفزيونية تتجلى بها هذه الصور للأعين، ولا حقيقة وراء نفس الصور إلا الشعاع، فالشعاع واحد، ولكنه يظهر بمظاهر مختلفة.

وكذلك فلا حقيقة وراء الموجودات المتكثرة إلا حقيقة واحدة وهي الوجود الإلهي، فهو الظاهر في المظاهر، ولا وجود خاص لنفس العالم، بل الوجود كله لله تعالى، ولكن الله تعالى أظهر صورة العالم في ذاته، أي إنه تجلى بصورة العالم، وتجلى بصورة الممكنات، وهذه الصور هي التي يسمونها بالقيود التي إذا تجرد الواحد عنها وتخلص منها بالمجاهدات عرف أنه هو، لا غيره، أي إذا استطاع الإنسان أن يتجرد من ملاحظة هذه الصور، فإنه سيعرف أن حقيقة وجودها الذي وجدت هي به، إنما هو عين وجود الله تعالى لا غير وجود الله تعالى.

 

ثالثاً: الوجود العيني والوجود العرضي

يقسم متكلمو أهل السنة الموجودات الحادثة إلى أعيان وأعراض.

والأعيان -جمع عين- إشارة إلى الموجود الذي لا يحتاج في قيامه إلى محل، وذلك كالجسم، فهو قائم بنفسه.

وأما الأعراض فهي الأمور التي وجودها في نفسها هو عين وجودها في غيرها، والعرض لا يقوم بنفسه فاللون لا وجود له إلا في وجوده في الجسم، ولا وجود له في الخارج إلا كذلك، فالعرض محتاج إلى الجسم لكي يتحقق له وجود.

والحقيقة أن الأعراض لا وجود لها في الخارج بوجود استقلالي أصلي بل تبعي، فقط على أنها حالات للجسم، أو أمور تطرأ عليه في نفسه، أو أنها تغيرات حاصلة فيه، فحصولها في الجسم يستلزم حصول تغيرات على نفس الجسم.

فالأعراض والأجسام (الأعيان) ثابتة في الخارج، وكون الأجسام لا تحتاج إلى محل لتقوم فيه، كالأعراض عندما تحتاج إلى الجسم في قيامها، أقول كون الأجسام كذلك لا يستلزم أنها لا تحتاج إلى علة لكي توجد، ولا يستلزم كونها لا تحتاج إلى فاعل في وجودها، فيوجد فرق إذن بين الاحتياج إلى المحل وبين الاحتياج إلى الفاعل، فمع أن الجسم لا يحتاج إلى محلٍّ ليقوم فيه، ولكنه يحتاج إلى الفاعل لكي يوجد، فهو محتاج إلى العلة الفاعلية وليس محتاجاً من حيث هو جسم إلى علة قابلية، أي ليس محتاجاً إلى محل لكي يوجد فيه، وأما العرض فهو محتاج إلى الفاعل والمحل، فاحتياج العرض إلى غيره أشج من احتياج الجسم والعين.

ولا يصح أن يقوم الجوهر (العين) بعرض، ولا أن يقوم بجوهر آخر، بمعنى أن الجوهر لا يقوم في جوهر آخر، كم يقوم العرض في جوهر غيره.

هذا هو خلاصة قول علماء السنة في هذه المسألة.

وأما القائلون بمذهب وحدة الوجود، فلا يوجد عندهم إلا موجود واحد قائم بذاته، أي غير محتاج إلى محل ليقوم فيه، وهو واجب الوجود، وأما ما نلاحظه في العالم من أجسام وأعراض، فإنما هي صور الأجسام والأعراض القائمة بذات الباري جل، فكما تجلى سيدنا جبريل لسيدنا محمد عليه السلام بصورة آدمي فكذلك يتجلى الله تعالى عندهم بصورة العالم بما فيها من تنوع وتقييدات، ولكن يبقى هو هو، وليس هو عين العالم، لأن العالم هو محض الصور، والله تعالى محض الوجود، فلا عالم حقيقي فعلاً عندهم، بل إنما هو الله تعالى، فحقيقة وجود العالم إنما هو عين وجود الله.

ولا يعني هذا أنهم لا يفرقون بين الجوهر والعرض، بل يفرقون، ولكن بناء على هذا الأصل الكبير القائلين به، وربما نشير إلى كيفية تفريقهم بين الجوهر والعرض لاحقاً.

 

رابعاً: لا وجود إلا لله تعالى

هكذا يعتقد القائلون بمذهب وحدة الوجود، لأن العالم عندهم ليس له وجود، بل إنما هو صورة وتجلٍّ لوجود الله تعالى، فلا وجود إلا له، عز اسمه.

وأما أهل الحق، فقد اتضح مما سبق أنهم قائلون بتكثر الوجود، ومع ذلك فإن وجود العالم مخالف في حقيقته لوجود الله تعالى، فلا اشتراك إلا في الاسم، وأما الحقيقة فلا. فأين الوجود الحادث من الوجود الواجب ؟

 

خامساً: الشرك والإيمان

الإنسان يكون مشركاً عند القائلين بوحدة الوجود إذا قال بوجودٍ سوى وجود الله تعالى، وما ذلك إلا لأن حقيقة الله تعالى عندهم، هي محض الوجود، فلا وجود إلا لله، والله عين حقيقة الوجود، ولهذا السرِّ فإنهم ينفون الوجود عن كل ما سوى الله تعالى، فكل السوى عدم، وإطلاق الوجود على العالم إطلاق مجازي محض، وليس حقيقياً، فلما كان حقيقة الله عندهم هي الوجود، فلا يجوز أن ينسب الوجود إلى غير الله تعالى.

وأما أهل السنة، فإنهم لا يقولون بأن وجود العالم مجازي، بل إنه وجود حقيقي، ولكنه مع ذلك مخالف لوجود الله تعالى في الحقيقة، فلا اشتراك في الحقيقة، ولذلك لا يلزم الشرك عندما نثبت الوجود للعالم، وإطلاق اسم الوجود على العالم إنما هو إطلاق حقيقي، من باب إطلاق الأسماء المشتركة على معانيها.

ولكن إذا دققنا النظر في ما ذكرناه سابقاً، فإننا نعلم الفرق بين وجود الله تعالى، وبين وجود العالم.

فإن الله تعالى وجوده لذاته وبذاته، وأما العالم فإن وجوده بذاته ولكن لغيره، ومعنى ذلك أن العالم ليس عرضاً حالاً في غيره، ولذلك فهو موجود بذاته، ولكنه مع ذلك موجود بتأثير من غيره، فإنَّ علة وجوده ليس عين ذاته، لأن عين ذاته، لا يجب وجوده عقلاً، بل العقل إنما يحكم على عين ذات العالم بالإمكان، ومعنى الإمكان كما قلنا سابقاً، إنما هو صحة نسبة الوجود ونفيه عنه. ولما كان سبب وجود العالم هو غيره، وهو قدرة الله تعالى، أي أن الله تعالى أراد إيجاد العالم فوُجِدَ العالم، فما دامت قدرة الله تعالى متعلقة بإيجاد العالم فإن العالم يبقى موجوداً، لأن تعلق قدرة الله تعالى بالعالم هو علة وجود العالم، وما دام العالم موجوداً، فإن علته وهي تعلق القدرة به، يجب بقاء وجودها، أو يمكن أن نقول، إنه ما دامت القدرة متعلقة بالعالم، فإنه يبقى موجوداً، ولكن إذا انقطع تعلق القدرة الإلهية بالعالم، انعدم العالم، فإنه لا يستحق الوجود لذاته.

ولما لاحظ بعض علماء السنة هذا الفرق بين وجود العالم وبين وجود الله تعالى، أطلقوا على العالم أن وجوده مجازي، بهذا المعنى، ولم يريدوا أن العالم غير موجود أصلا، بل إنهم لما لاحظوا قوة وجود الله تعالى بالمقارنة مع وجود العالم، صار وجود العالم بالنسبة إلى وجود الله تعالى كأنه وجود مجازي، لأنه لا يقوم إلا بإيجاد الله تعالى، كما لا يقوم المجاز إلا بناء على لفظ له معنى حقيقي.

فإن أهل السنة إذا أطلقوا القول بأن العالم له وجود مجازي لم يريدوا إلا هذا المعنى، وأما القائلون بوحدة الوجود، فإنهم عندما يطلقون على العالم أن وجوده مجازي، فإنهم يريدون حقيقة هذا اللفظ. فإطلاق أهل السنة اسم المجاز على العالم مجاز، وإطلاق أهل الوحدة اسم المجاز على العالم حقيقة عندهم.

والإنسان يكون مشركاً عند أهل الوحدة ما دام معتقداً بوجود العالم، ولكنه يصل إلى أعلى مراتب التوحيد إذا اعتقد بعدم العالم، وان وجوده هو عين وجود الله تعالى.

وأما أهل السنة فإن الإنسان يكون مشركاً عندهم، إذا اعتقد استقلال العالم بالوجود لذاته، وأما إذا اعتقد أن العالم موجودٌ بوجود مغاير لوجود الله تعالى، ولكن بقاءه كذلك متعلق بتعلق قدرة الله تعالى فإنه يكون قد وصل إلى التوحيد الحقيقي.

ولذلك فإن التوحيد عند القائلين بمذهب وحدة الوجود معناه: لا وجود إلا لله تعالى، فهم ينفون وجود كل ما سوى الله تعالى.

وأما توحيد أهل السنة، فإنه يتم بإثبات أن كل الأفعال فإنما هي لله تعالى.

ولا يصح الاعتقاد بعدما مضى بأن أهل السنة يلزمهم على مذهبهم القول باشتراك الله تعالى مع خلقه بحقيقة الوجود، أي من حيث مصداقه، فإنه لا يقول ذلك إلا من جهل مذهب أهل السنة، أو أراد ترويج مذهبه.

 

سادساً: الوصول إلى الله تعالى

التصوف عند أهل السنة عبارة عن مجاهدة للنفس ورغباتها المخالفة للدين الإسلامي ولشريعة الله تعالى، وليس كل رغبات النفس مخالفة للشريعة، وهو أيضاً محاولة دائمة لترويضها على شرع الله تعالى، والترقي بها عن طريق التزامها بالشريعة إلى أعلى المراتب والكمالات اللائقة بالوجود الإنساني.

فالتصوف على هذا هو خلاصة ورأس التدين من حيث إنه فعل للإنسان المكلف، وليس من حيث إنه عقيدة، فلا عقيدة خاصة بالتصوف، بل إنه غاية الالتزام بالدين.

فعندما يمارس علماء أهل السنة من الصوفية المجاهدات، فإن غايتهم هو تكميل ذواتهم، لا إفناؤها، وغايتهم إنما هي تقوية ملاحظتهم لاحتياجهم إلى الله تعالى في كل حركة من الحركات وفي كل سكنة من السكنات.

فصوفية أهل السنة مع بقاء ملاحظتهم لوجود أنفسهم، إلا إنهم لا يزالون يترقون في الإحساس بشدة احتياج هذا الوجود الذي منحهم إياه الله تعالى إلى إمداد الله تعالى وإلى قوته، فالصوفية عند أهل السنة هم أشد الناس إحساساً بالاحتياج إلى الله تعالى، وذلك مع ملاحظتهم لوجود أنفسه ذلك الوجود المحتاج الحادث، وهذا هو السر في صعوبة الترقي على عامة الناس، والمنحرفين في علم التوحيد، فكيف يترقى المنحرف عن أصول الدين في هذه المراتب وهو يعتقد أنه مستغن في وجوده عن الله تعالى ؟ وما فائدة المجاهدة، إذا كان يعتقد أنه عين الذات الإلهية، وأنه لا وجود له ؟

وأما القائلون بوحدة الوجود، فإن التصوف عندهم طريق إلى الاعتقاد بفناء ذواتهم فناء فعلياً، وعدم وجودهم بوجود مغاير لوجود الله تعالى، بل وجودهم عندهم هو عين وجود الله تعالى. والمجاهدات  عندهم طريق إلى الانعتاق عن التقيدات الوهمية التي يتوهمون بها أنهم موجودون، فهذه القيود الحادثة عندهم، سبب في اعتقاد عامة الناس بأنهم موجودون، ولكن الخواص عندهم يعتقدون أن وجودهم هذا ما هو إلا وجود مجازي، متوهم، فهم في مجاهداتهم يحاولون أن يترقوا عن أوحال الوهم، ويصلوا إلى أنهم عين الذات لإلهية، أو بعبارة أصح، يصلوا إلى أن وجودهم هو عين وجود الذات الإلهية.

ومن هنا برز عندهم مصطلح العوام والخواص، وإن كان مستخدماً عند أكثر الفرق الإسلامية، إلا أنهم استعملوه بمعنى خاص، فالخواص عندهم هم من اعتقدوا أنه لا وجود إلا لله تعالى، والعوام هم من ساروا مع أوهامهم، واعتقدوا بوجود ذواتهم بوجود غير وجود الله تعالى.

والقائلون بالوحدة عندما يعتقدون بذلك، فهم لا يريدون فقط نفي الاعتقاد بوجود مستقل في القيام عن وجود الله، بل يريدون نفي كل وجود مغاير لوجود الله تعالى. وفرق عظيم بين نفي اعتقاد استقلال الوجود الحادث عن وجود الله تعالى، وبين نفي الوجود الحادث أصلاً. فلا وجود حادثاً مطلقاً عندهم، بل كل الوجود قديم، وهو هو وجود الله، الذي ظهر لذاته بأحكام الممكنات.

فالحادث عندهم هو فقط ظهور أحكام الممكنات بوجود الله تعالى، وليس ظهور عين الممكنات، فهذا مستحيل عندهم.

فالوصول عند الصوفية القائلين بوحدة الوجود عبارة عن ظهور أن وجودنا هو عين وجود الله تعالى، فهو ظهور اتحاد وجودنا بوجود الله تعالى، ولكن لا بعد تعدد وتكثر، بل نفي الكثرة أصلاً، واعتقاد أنها مجرد وهم.

وأما الوصول عند صوفية أهل السنة فهو الاعتقاد بالافتقار إلى الله تعالى في كل شيء، مع بقاء ملاحظة أن وجودنا مغاير لوجود الله تعالى. فلا اتحاد مطلقاً عند أهل السنة.

والقائلون بوحدة الوجود ينفون الاتحاد الناتج عن اثنين، لأنَّ الاثنينية عندهم منفية، والتكثر وهم محض، ولذلك أيضاً ينفون الحلول، لأن الحلول سريان شيء موجود في شيء موجود آخر، ولا موجود إلا الله عندهم.

ولذلك فلا يبعد عندهم نفي الحلول والاتحاد، بل ذلك واجب، لأن الحلول والاتحاد لا يصدقان إلا بعد الاعتقاد بالتكثر وتعدد الوجود، فكيف يقال بذلك والوجود واحد عندهم. فنفي الحلول والاتحاد ليس دليلاً على براءة النافي من وحدة الوجود، إلا بعد بيان مراده وعلة نفيه.

بينما أهل السنة ينفون الحلول والاتحاد ويقولون في نفس الوقت بتكثر الوجود وتعدده، فالوجود الجائز هو غير الوجود الواجب. ولكن أهل السنة ينفون الحلول والاتحاد لاستحالة اتحاد الله تعالى بمخلوقاته، واستحالة سريانه وحلوله فيها، وليس علة النفي نفيهم لوجود المخلوقات كما هو زعم القائلين بوحدة الوجود.

 

سابعاً: لا فعل إلا لله تعالى

لقد قلنا إن أهل السنة يقولون إن العالم موجود، والله تعالى موجود، ولا اشتراك بين وجود الله تعالى ووجود العالم، كما مرَّ، وهذا العالم هو أثر فعل الله تعالى، أو عين فعله، وذلك مع كون وجوده غير وجود الله تعالى، فهم يقولون إنه عين فعل الله تعالى أو أثر فعله جل شأنه.

وسوف نوضح ذلك زيادة توضيح فنقول: إنا إذا نظرنا إلى الله والعالم، وتأملنا في النسبة بينهما، وأدرنا الكلام على هذه الثلاثة؛ ينتج إمكان قسمة المذهب الإسلامية على النحو التالي:

إما أن يقال بتكثر الوجود أو وحدته، فعلى القول بكثرة الوجود، فههنا ثلاثة أمور الله، والعالم، والنسبة بينهما، والعالم عبارة عن وجود + ماهية، فتصبح الأمور المقابلة لله تعالى ثلاثة، الوجود والماهية والنسبة، فالسؤال هنا عن فاعلية الله تعالى بماذا تتعلق.

فجمهور أهل السنة وبعض المعتزلة يقولون إن الله تعالى فاعل بالإرادة للماهيات والوجود الخاص والنسبة لازمة لذلك، لأن النسبة لازمة على ضرورة الربط بين قدرة الله تعالى وبين أثر القدرة الذي هو الوجود المتعين للعالم. وهذا القول مبني على أن الله تعالى جاعل للماهيات أيضاً.

وجمهور المعتزلة وبعض أهل السنة القائلين بعدم مجعولية الماهيات، قالوا إن الله تعالى فاعل بالإرادة للوجود الخاص للعالم، وبالتالي تلزم النسبة الرابطة بين العالم وخالقه، وذلك لعدم استغناء العالم بعد وجوده عن فاعله.

ولكن الفارق بين أهل السنة والمعتزلة هنا أن المعتزلة يحكمون الصلاح والأصلح وأهل السنة لا، والإرادة عند المعتزلة ليست صفة لله بل فعله، وأما أهل السنة فالإرادة صفة له جل وعلا.

وأما االفلاسفة فيقولون أيضاً بأن الوجود الخاص أثر لله واجب الوجود، ولكن على سبيل التعليل لا على سبيل الفعل، وهذا مبنيٌ على قولهم بأن الله بذاته علة لوجود العالم، وعلى نفي الإرادة.

وأما من قال بعدم تكثر الوجود، فهم يبنون قولهم هذا على استحالة وجود العالم بوجود خاص به، مغاير لوجود العالم، فيقولون: إن ماهية العالم لها أحكام، والماهيات ليست مجعولة لله تعالى، فالله تعالى ليس بفاعل إلا للنسبة، والنسبة هذه ليست بين طرفين كما في الأقوال السابقة، لأنه لا وجود إلا وجود الله تعالى، بل هي نسبة من طرف واحد، ويسمونها نسبة إشراقية، لأن الله تعالى تشرق ذاته بالنسبة، ثم إما أن تكون هذه النسبة عدمية محضة بناء على تواطؤ وجود الواجب الواحد، أو انتزاعية قائمة على أن الوجود الواجب الواحد مشكك، قابل للشدة والضعف.

فالله تعالى ليس بفاعل إلا للنسبة عند القائلين بوحدة الوجود، وهذه النسبة قائمة بذاته عز وجل، وهذا هو معنى قولهم إن الله تعالى تجلى بأحكام الممكنات، أو بأحكام الماهيات، وهكذا يفسرون قوله تعالى كل يوم هو في شأن، بمعنى أن الشؤون تظهر بذاته تعالى كل يوم وكل ساعة، وكل آن من الآنات.

ففعل الله تعالى عند أهل السنة هو العالم من حيث هو موجود في الخارج، والنسبة لازمة له، فإن لاحظوا مجموع هذا المعنى، يقولون إن العالم هو أثر قدرة الله تعالى، وإذا لم يلاحظوا النسبة الثابتة قالوا إن العالم هو عين الفعل، ولكنهم على كل الأقوال لا يقولون إن الفعل قائم بذات الله تعالى.

وأما القائلون بوحدة الوجود، فلما انتفى وجود العالم الخارجي عندهم، ولم يبق بعد إلا النسبة، فالله تعالى ليس فاعلاً إلا للنسبة، والنسبة هذه قائمة بعين وجود الله تعالى، ولما كانت النسبة ليست موجودة بنفسها، فلا وجود مستقل للنسبة عن ما تقوم هي به، ولما لم يكن ثمة موجود إلا الله تعالى، فالنسبة قائمة بعين ذاته جل وعلا.

ولهذا يعبرون عن ذلك بأن العالم موجود بوجود الله تعالى، ولا يقولون إن العالم موجود بإيجاد الله تعالى، بل هو قائم بعين وجود الله تعالى. لأن العالم ليس إلا النسبة فلا وجود له، وليس العالم إلا مجرد الانتساب لله تعالى، ولذلك فالمخلوقات عندهم معدومة حقيقة، وموجودة مجازاً لتلبسها بوجود الله تعالى الذي ليس وجوداً لها.

ولذلك يعتقدون أن الواحد من المخلوقات إذا تجرد عن قيوده التي هي عين النسبة، رأى أن وجوده هو عين وجود الله تعالى، ولكن كان ينبغي أن يقولوا أن هذه القيود هي قيود للذات الإلهية ونسب لاحقة لها، ولا يقولوا أنها قيود للمخلوقات، لأنه لا وجود للمخلوقات قط، ومن ليس له وجود فكيف يتجرد عنه.

 


 

الفصل الثاني

الرد على رسالة النابلسي

المسماة

(إيضاح المقصود من وحدة الوجود)

 

إن الشيخ عبد الغني النابلسي، ألـَّف العديد من الرسائل والكتب في العديد من المسائل والمواضيع، في الفقه والحديث والتصوف والتوحيد، ولا يخلو كتاب من كتبه من إشارات إلى عقيدة وحدة الوجود، فهو يصرح بها ولا يلوح، وينتهز الفرصة بعد الفرصة في سبيل بيان هذه العقيدة ونصرتها.

وقد كتب كتاباً مطولاً في توضيح معنى وحدة الوجود ونصرتها وإثباتها، سماه (الوجود الحق والخطاب الصدق)، وألف رسالة مختصرة لنفس الغاية سماها (إيضاح المقصود من وحدة الوجود)، في صفحات معدودة.

ونحن سوف نخصص هذا الفصل لنقد ما أودعه الشيخ عبد الغني النابلسي في رسالته، ونعتمد في ذلك على تحليل عبارته، بناء على ما سبق بيانه من قواعد وأصول، وبناء على ما وضحه أئمة القائلين بوحدة الوجود في كتبهم ورسائلهم وأورادهم وأشعارهم، وإشاراتهم وكلماتهم المرسلة المنقولة عنهم.

سبب تأليف الرسالة

لقد حدد النابلسي هدفه من تأليف الرسالة فقال ص6: "هذه رسالة عملتها في تحقيق المعنى المراد عند أهل الله تعالى المحققين الأمجاد، بإطلاق وحدة الوجود، وقولهم: لا شيء مع الله تعالى موجود، وبيان صحة هذه المقالة، ونفي ما عداها من ضلالات أهل الغواية والجهالة، والحكم على ما يخالف ذلك بالاستحالة".

النابلسي يقرر في هذه المقدمة أن سبب تأليفه للرسالة هو تحقيق معنى وحدة الوجود، ويعترف أن هذه العقيدة صحيحة، وأن ما عداها إنما هو ضلالات، ومن يخالفها فهو من أهل الغواية والجهالة، بل إن كل ما يخالفها من العقائد فإنما هو مستحيل، ثم ينسب هذه العقيدة إلى المحققين الأمجاد من أهل الله تعالى، وسوف نعرف أسماء بعض هؤلاء من النابلسي كما سيذكرهم بعد قليل.

والنابلسي يقرر أن ملخص عقيدة وحدة الوجود هو (لا شيء مع الله تعالى موجود)، وهذا هو معناها الذي سبق أن أشرنا إليه في الفصول السابقة، وهذا المعنى هو المعنى الباطل المخالف لعقيدة أهل السنة، كما قلنا، ولكن النابلسي يعكس الوضع هنا.

والذي لا بد من ملاحظته هو أن الصوفية القائلين بوحدة الوجود لا يعترفون لعلماء التوحيد بأنهم هم الذين يقررون العقائد الصحيحة، بل يعتبرونهم مجرد متكلمين بالباطل، ويتهمونهم بأنهم لا يستندون إلا إلى الجهل، ويصفونهم بأنهم محجوبون، والحجب هنا في اصطلاح الصوفية ناشئ عن أن المتكلمين يعتقدون بكثرة الوجود، أي إنهم يقولون إن الله تعالى خلق العالم الموجود بقدرته، وهذا يلزم منه تكثر الوجود والموجود، وإن كان العالم لا يمكن استمرار وجوده إلا بإذن الله تعالى وتعلق قدرته تعالى بإيجاده.

فمن يعتقد أن العالم موجود، فإنه عند أهل الوحدة محجوب عن الحقيقة، والحقيقة عندهم هي أن الله تعالى لم يخلق شيئاً من العدم، ولم يوجد العالم من عدم، بل لم يوجد شيئاً مطلقاً. وإذا كانوا يعتقدون بهذا الأمر فالطبيعي عندهم أن القائل بالكثرة في الموجودات يكون محجوباً عن الحقيقة.

ولكن اعتبارهم ووصفهم للمتكلمين بهذه الأوصاف لا يقلب الحق باطلاً، فالكفار كانوا يقولون عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أنه صابئ، والنصارى لم يعترفوا بنبوة النبي، واليهود ينكرونها، والشيوعيون كانوا ينكرون الإسلام، ويقولون: إن المسلمين جاهلون لاعتقادهم بوجود الله تعالى، والصوفية هنا يقولون إن المتكلمين جاهلون لاعتقادهم بوجود العالَم، وكلٌّ يُغَنِّي على لَيْلاه.

 

القائلون بعقيدة وحدة الوجود

عدَّدَ النابلسي بعض أسماء القائلين بعقيدة وحدة الوجود، وأشهرهم، وذلك ليعزز عند القارئ أن هذه العقيدة صحيحة لشهرة القائلين بها، وهذا الأساس لتدعيم المذاهب ليس كافياً على إطلاقه كما استعمله النابلسي، وسوف نبين ذلك فيما يلي، ولكن نذكر أولاً عبارة النابلسي في هذا المقام لكي نستطيع تحليلها ونقدها.

قال الشيخ عبدالغني النابلسي في ص6: "اعلم أن هذه المسألة وهي مسألة وحدة الوجود، قد كثَّرَ العلماء فيها الكلام قديماً وحديثاً، وردها قوم قاصرون غافلون عن معناها محجوبون، وقبلها قوم آخرون عارفون محققون، ومن ردها لعدم فهم معناها عند القائلين بها، وتوهم منها المعنى الفاسد فلا التفات لرده كائناً من كان لصده عن الحق، وإنما رده في الحقيقة لأمر واقع على فهمه من المعنى الفاسد، لا على هذه المسألة، فهو الذي صور الضلال ورده، وأما القائلون بها فإنهم العلماء المحققون والفضلاء العارفون أهل الكشف والبصيرة الموصوفون بحسن السيرة وصفاء السريرة، كالشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، والشيخ شرف الدين بن الفارض، والعفيف التلمساني، والشيخ عبد الحق بن سبعين، والشيخ عبدالكريم الجيلي، وأمثالهم، قدس الله أسرارهم، وضاعف أنواهم، فإنهم قائلون بوحدة الوجود، هم وأتباعهم إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى. وليس قولهم بذلك مخالفاً لما عليه أهل السنة والجماعة، وحاشاهم من المخالفة، وغنما المنكر عليهم وعلى أمثالهم أنكر من قصور فهمه وقلة معرفته باصطلاحهم وعدم علمه، فإن علومهم مبنية على الكشف والعيان، وعلومهم غير مستفادة من الخواطر الفكرية والأذهان وبداية طريقهم التقوىوالعمل الصالح، بداية طريق غيرهم مطالعة الكتب"

هذه الفقرة فيها عدة دعاوي:

الدعوى الأولى: أن الكلام في عقيدة وحدة الوجود قديم عند العلماء.

الدعوى الثانية: أن الذين ردوا ورفضوا عقيدة وحدة الوجود هم المحجوبون، ومن قبلها وقال بها فهم العارفون المحققون.

الدعوى الثالثة: يوجد معنى صحيح لوحدة الوجود ومعنى آخر فاسد.

الدعوى الرابعة: القول بوحدة الوجود لا يخالف قول أهل السنة.

وسوف ندير الكلام على هذه الدعاوي على الترتيب المذكور.

 

لمحة عن تاريخ وحدة الوجود

إن الكلام عن كون عقيدة وحدة الوجود مذهباً له تاريخ في مذاهب المتقدمين من الفلاسفة في الشرق والغرب، لا إشكال فيه، ولكن القول بأنه كان مذهباً مرضياً عنه بين المسلمين في العصور المتقدمة، محل إشكال كبير، وهو ادعاء مجرد عن الدليل، بل مخالف له.

ولينظر هل قول النابلسي بأن "الكلام فيها قديم عند العلماء"، يسلم له؟! وهل يريد منه القول بأنهم كانوا يتكلمون في وحدة الوجود على سبيل القبول لها.

فإن كان يريد ذلك فهو ليس بصحيح، بل الصحيح أن العلماء كانوا يتكلمون في وحدة الوجود على سبيل الرد والنقض، ولم يوافقوا على صحة هذه العقيدة، بل إن الصحيح أن حقيقة مذهب وحدة الوجود المتكاملة، إنما ظهرت متأخرة بين المسلمين، أي إن التصريح بها ظهر بينهم متأخراً، ولم يكونوا يتكلمون بها صراحة في الأزمان المتقدمة.

ثم إن بعض من أشار إلى وحدة الوجود وإلى القول بها من المتقدمين، حكم عليه كثير من العلماء المتقدمين بالانحراف والزندقة، ومنهم الحلاج، وقصته مشهورة معروفة، وقد يستغرب البعض من نسبتنا القول بوحدة الوجود إليه، والمشهور أنه كان قائلاً بالاتحاد والحلول، ولكن هذا الاستغراب ينحل بمجرد معرفة وقراءة كلماته نفسها، ثم فهمها. وقد يقول البعض إن الحلاج لم يكن قائلا بوحدة الوجود، بدليل وجود كلام له موافق في كثير من ظاهره لكلام أهل السنة، والجواب، كما أنه يوجد له كلام يحتمل موافقة أهل السنة، ولكنه يصح حمله على عقيدة وحدة الوجود، ولما وجد له كلام أصرح في القول بوحدة الوجود، قلنا بظهور اعتقاده بوحدة الوجود. والأمر يحتمل النظر.

وأيضا إذا تنبهنا إلى أن مصطلح وحدة الوجود لم يظهر إلا في القرون المتأخرة، وعلى أقل تقدير القرن السادس والسابع، وقبل ذلك كانت توجد إشارات إلى هذا المذهب، فالذين كانوا يقولون به لم يكن عندهم اسم له، والذين ردوا عليه، أطلقوا عليه أقرب اسم معروف لديهم، وأقرب مذهب إلى وحدة الوجود هو الحلول والاتحاد، بفارق أن الحلول والاتحاد يسبقه التكثر في الوجود، بخلاف وحدة الوجود، والنتيجة بينهم واحدة، وهي أن الخلق عين الخالق، وأيضا عدم التكثر في الوجود، بل تصبح أنت هو، وهو أنت.

فجاء إطلاق اسم الحلول والاتحاد على وحدة الوجود من هذا الجانب لا غير، فتصبح النتيجة أن بعض من ردَّ على القائلين بالحلول والاتحاد، فالحقيقة أنه ردّ على وحدة الوجود.

فالقول إذن بأن وحدة الوجود كانت مقبولة مشهورة عند العلماء المتقدمين، قول باطل، بل ادعاء قبولها بين العلماء المتأخرين أيضاً مردودة، فأكثر المتأخرين ردوها، كما ردها أكثر المتقدمين.

 

 


 

هل المعارضون لوحدة الوجود محجوبون

الحقيقة أن القول بأن من نفى وحدة الوجود محجوبون، وأن من قال بها فهو المكشوف له، والمطلع على الحقيقة، هو قول مغالطي لا يقوم على دليل. وإطلاقه هكذا سفسطة واضحة.

إن وحدة الوجود أصلاً حسب المعايير العلمية والعقلية الرصينة قول لم يتضح برهانه بعد، واختلف فيه الناس، وإن كان أكثر الخلق ينفونه، ولكن قول البعض منهم به، لا يجوز اتخاذه دليلاً على صحته في نفسه، فلا يخلو قول باطل أو صحيح من أن يوجد قائل به من الناس.

وكون القائل به محجوباً، لا يصح قوله إلا ممن يعتقد بصحة وحدة الوجود، ويقطع بها، ولكن هذا المحجوب يحكم أيضاً على القائل بوحدة الوجود بالحجب والجهل أيضاً.

واستعمال لفظ الحجب هنا للدلالة على الجهل موافق لمذهب أهل الوحدة، لأن الحجب مقابل للكشف، والطريق الصحيح للعلم عندهم هو الكشف، فمن لا كشف له، فهو محجوب، ولكن أهل الحق يستعملون مصطلح العلم والجهل، لا مصطلح الكشف والحجب، فمن خالف الحق فهو جاهل، أو معاند، ومن وافق الحق وقال به، فهو عالم أو متيقن.