شيخ علماء الإسلام
محمد زاهد الكوثري
عصره وآراؤه
دراسة تحليلية لمؤلفاته
وآرائه الإصلاحية
الدكتور عمار جيدل
جامعة الجزائر
E-mail. / rdjidel@ayna.com
بسم الله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين ومن سار على سنتّه و اقتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد
يمثّل هذا العمل العلمي ثمرة من ثمرات قلعة من قلاع العلوم الإسلامية في العالم الإسلامي بصفة عامة و الجزائر على الخصوص - كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر-لهذا يشرفني أن أهديه إلى كل من حمل آمال الأمة وآلامها في قلبه وعقله، إلى كل عامل على تجسيد أصالة أمته برنامجا في الثقافة والحضارة والاجتماع و السياسة، إليكم جميعا أقدم هذا المؤلف.
كما أهديه إلى كل من رفض بيع دينه بدنياه إلى كل من مال عن الانخراط في سلك الفساد-على تنوّع أشكاله- و الإفساد، إليكم أيها المرابطون دون أصالة الأمة.
يقوم العلماء بدور كبير و أساسي في إصلاح التصور النظري الذي يعد الأرضية الأساسية لأي بناء حضاري واقع أو متوقّع، لما للتصورات من علاقة وطيدة بالسلوك والأفعال والأحوال،لهذا يمر فهم المجتمعات باستيعاب مؤلفات معاصريهم وفهمها فهما دقيقا.
ولا شك أن مفتاح فهم العصر الحديث قراءة منتج علمائه وربطه بمصادره في الثقافة الإسلامية.
ومساهمة منا في فهم العصر والخلل الطارئ عليه آثرت الكتابة عن شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري.
وقد وقع اختيارنا على لهذا الأنموذج لما يتوفّر عليه من عناصر رئيسة تسمح بقراءة متأنية للخلل الطارئ على العصر وسبل معالجتها في فكر الرجل ، إذ تلخّصت في تجربته التعليمية والإصلاحية أنصع صورة المقاومة الفكرية في ظل مشاكسات تعرّض لها منذ أيام التعلّم والتعليم إلى أن وسّد في التراب، وقد تجلت تلك المشاكسة فيما يأتي:
1- حاصرته التيارات الظاهرية في العصر الحديث،فأصبح بموجب ذلك تحت طائلة الإقصاء والإبعاد عن مراكز القرار الثقافي و التعليمي،بل عدت كتبه شبيهة بالهروين والكوكايين إن لم تكن أخطر لدى البعض.
2- عمل الشيخ على ضفتين،جابه في الأولى التيار الظاهري ، وواجه في الثانية تيار (التبديد) التجديد وفق المناهج الغربية،فحاول من خلال مواجهة الفريقين إعادة مجد الإسلام وثقافته الأصيلة.
عزمت على كسر هذا الحصار والإقصاء المسلّط عليه، وتسليط الضوء على هذه الشخصية العلمية الرائدة.
ومما زاد من تعلّقنا بالموضوع تميّز الرجل بمجموعة من الميزات افتقدناها في علماء عصره،لعل أهمها:
1- عرف بجرأة فاق بها أقرانه،فكان يعزو الأقوال إلى أصحابها ويرد الرأي إلى أصوله ويناقش أدلة هذا الفريق وذاك،غير آبه بالمصدر الذي صدرت منه، رائده في كل ذلك الحق والحقيقة، فتراه يناقش من المتقدمين الإمام أحمد بن حنبل،والخطيب البغدادي،و الجويني، والغزالي، والرازي، وابن تيمية، وابن القيم، …أما من المتأخرين فناقش محمد عبده ومحمد بن عبد الوهاب، ومصطفى صبري، والمعلمي، ومحب الدين الخطيب، و…بالإضافة إلى الفلاسفة والمستشرقين والمتغربين من أبناء جلدتنا.
2- حاول على غير المألوف بين علماء عصره الربط بين الجانبين النظري والسلوكي في العقيدة الإسلامية،من هذا المنطلق سعى إلى بعث الأبعاد الوظيفية للعقائد الإسلامية.
3- دوّن تعليقات متنوعة – في شتى فنون العلوم الإسلامية- لا يفرط فيها باحث جاد،فكانت تعليقاته وتحقيقاته أهم من النصوص المحققة أو المعلّق عليها كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة.
و رغم ما قلناه فقد وجدنا باحثين يصفونه بأشنع الصفات،فهو عندهم(أنظر التفاصيل في ثنايا البحث) أشبه بالأفاك الكاذب ، هو عند فريق آخر بقية السلف الصالح،فمن هو يا ترى هذا الرجل؟ وما درجة صحة هذه الأحكام؟ وما القول الفصل في شأنه؟
الإجابة التفصيلية تستدعي وضع خطة نتوخى من خلالها التعريف بالرجل تعريفا وافيا، ولكننا قبل ذلك ملزمون من الناحية المنهجية بالتعريف بعصره بوصفه الجو الذي عاش فيه فاعلا ومتفاعلا، من هذا المنطلق كانت خطتنا في العمل على النحو الآتي:
أولا:حديث عن مسرح الأحداث
ثانيا:التيارات السياسية التي عاصرها
ثالثا:التيارات الثقافية التي عاصرها
رابعا: مولد الشيخ ونشأته العلمية
خامسا:جهاده العلمي والسياسي
سادسا: سماته الأخلاقية ومنزلته ووفاته
جعلت عمدتي في الكتابة عن الرجل مؤلفاته أولا ثم ما كتب عنه ،فكان أول ما استثمر ما كتبه عن نفسه في ثنايا مؤلفاته وخاصة كتابه " التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز" وجدناه حافلا بتراجم شيوخه ، وبعض أعلام الحنفية،كما استفدت من كتابه "إرغام المريد في شرح النظم العتيد "ضمنه تراجم بعض شيوخه أيضا،و استفاد الباحث من الترجمة الوافية التي كتبها تلميذه أحمد خيري رحمه الله في كتابه الموسوم "تاريخ الكوثري"، وما أنجزه الأستاذ حامد إبراهيم في أصول الدين بالأزهر القاهرة،بالإضافة إلى بحثنا عنه، المقدم لنيل درجة دكتوراه دولة في أصول الدين (تخصص عقيدة)من جامعة الجزائر، والذي كان عنوانه"الكوثري وآراؤه العقدية(المنهج والتطبيق « كما استفدت من كتب أخرى تناولت الحديث عنه عرضا، مثل ما كتبه الشيخ محمد أبو زهرة ، ويوسف البنوري ،و سلامة القضاعي والشيخ يوسف الدجوي، وحسام الدين القدسي وعلي سامي النشار …هذه عيّنة من المؤلفات التي استثمرتها في إنجاز هذا البحث، ولنا عودة إليه في قابل الأيام وفق ما تجود به دور النشر والتوزيع من مراجع ومؤلفات جديدة أو مقالات.
قدّمنا هذا الجهد خدمة لأولئك الذي عملوا على خدمة أمتهم في زمن قلّ فيه الاهتمام ببعث مشروع حضاري مؤسس على أصالتنا في جو ما يحيط بنا من إكراهات محلية و جهوية ودولية، وإسهاما منا في بعث الاهتمامات الحضارية في جيلنا الحاضر وتعهدا منا لبذرة المقاومة الفكرية لدى أبنائنا من أجل تجسيد البناء الحضاري المنشود في المستقبل.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين
عاش هؤلاء هذا العلم أعزّ أيامهم في كنف الدولة العثمانية وبالتحديد في أواخر أيامها ، دولة كانت نواتها الأولى عشيرة من الترك تسكن في أنحاء الأناضول([1])، لهذا بدأت الدولة وفق السنن الكونية صغيرة على يد عثمان بن أرطغرل(699هـ/1299م) ([2]) المتحمّس للعقيدة الإسلامية ومشاورة الفقهاء، حيث أوصى ابنه وهو على فراش الموت بتوقير العلماء والتزام الشرع الشريف، والتشاور مع أربابه في كل ما تقدم عليه، وعليك بتعظيم أمر الله والجهاد في سبيله وإعلاء كلمته([3])
فظهرت الدولة العثمانية قوية منذ أيامها الأولى ،جمعت إلى الطبيعة العسكري لأفراد جيشها([4]) قوة السلاح و قوة الإيمان، فخولت لهم هذه العناصر عبور البحر الأسود (757هـ/1356م)([5])ثم فتح القسطنطينية(857هـ/1453م)،فامتد سلطانها إلى سائر بلدان شبه جزيرة البلقان.
وواكب هذا الفتح تنازل المتوكل على الله عن الخلافة(922هـ/1517م)لهم، كما تزامن مع انضمام سوريا ودخول العثمانيين مصر، واستلام السلطان العثماني مفاتيح الحرمين الشريفين من ابن شريف مكة، وأصبح بذلك خليفة المسلمين([6]).
وتوالت الفتوحات تترى الواحدة بعد الأخرى، فشملت آسيا وأوربا وإفريقيا مستغلين في ذلك الظروف الدولية التي مرت بها المنطقة([7])، وخاصة انقسام المسلمين إلى دويلات متناحرة متنافرة يتهددها الصليبيون من كل جهة.
وقد ساهم احترام وصية المؤسس الأول في نجاح الدولة وسرعة بسط سلطانها على كثير من بلاد المسلمين، استجابة منهم لداعي نصرة المسلمين الذين يهددهم الصليبيون من كل جهة ، لهذا حق فيهم في تلك الفترة اسم منقذ العالم الإسلامي من الاندثار،إذ ما كان مستبعدا أن تتقلص دولة الإسلام، والإسلام نفسه كدين عالمي من تلك الديار باستقرار الصليبيين فيها([8]).
وفي ذلك يقول محرم([9])
لولا بنو عثـــمان والسنن الذي
شرعوا لما وضح السبيل الأقوم
سطعوا بآفاق الخــلافة فانجـلى
عنها مــن الحدثــان ليل مظلم
فهــم ولاة أمورها وكفـــاتها
وهم حماة ثغـورها ، وهم هم([10])
واستقر العمل في الدولة على النسق نفسه إلى أن بلغت الدولة ذروتها في عهد السلطان سليمان القانوني (1512ـ1520م)بعد تغلبه على الشاه الصفوي ([11]) وهيمنته على المقدسات الإسلامية ودخولها تحت إشرافه([12])، وقد واكب هذا النمو والازدهار ظهور بعض بوادر التململ في المجتمع العثماني ، تململ كانت له صلة بالتطور العلمي الذي ظهر في أوربا مما بعث في الأوربيين أحقادهم الصليبية من جديد و أطمعهم في بلاد المسلمين،فخططوا لضرب الدولة العلية وإضعافها ليتسنى تقسيمها في قابل الأيام ([13])، وقد ساهم في مشاريع الإجهاز على الدولة نخبة المجتمع الأوربي كما تؤكده شهادة دجوفارا وزير خارجية رومانيا في كتابه” مائة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية “ ، الذي أكّد مساهمة أغلب الدول الأوربية ((فرنسا ، إنجلترا ،روسيا، بلجيكا ، هولندا ، إسبانيا،… ) بكفاءات علمية وسياسية وعسكرية عالية المستوى(رجال الدين ، والساسة ، والأدباء، والأطباء ، والعسكر( … في مشاريع الإطاحة ، منهم على سبيل المثال لا الحصر لايبنيتز وبوانكرييه وفولتير وغيرهم كثير…([14])
بلغ الأوربيون ما أرادوا على حين غفلة من العثمانيين ، فغزت فرنسا الجزائر(1830م) ثم احتلت تونس ، وامتلكت إنجلترا قبرص ثم غزت مصر ، واحتل الروس رومانيا (البغدان …) مما أظهر التنافس على تركة الرجل المريض حسب تعبير قيصر روسيا للسفير الإنجليزي ([15])
وتجاوزا لهذه المؤامرات ظهرت عدّة محاولات إصلاحية بغرض منع سقوط الدولة أو اللحاق بالآخر حينا آخر، أو بهدف تمثّل مسلكه الإداري دون الوقوع في شراك أفكاره .
فظهرت محاولات إصلاحية وفق المنظور الإسلامي الأصيل على يد عثمان الثاني (1032هـ/1629م …) ثم ظهرت محاولات الإصلاح وفق النمط الغربي على يد سليم الثالث(1222هـ/1807م)، أضفى عليها السلطان عبد المجيد صبغة رسمية مستعينا بأحد المعجبين بالفكر الغربي (مصطفى رشيد(.
وبرزت إلى الوجود محاولات إصلاحية تلفيقية على يد أحمد الثالث(1143هـ/1730م)، والصدر الأعظم إبراهيم باشا(1154هـ/1742م) ([16]).
وتلافيا لهذه الوضعية الخطيرة حاول السلطان عبد الحميد الثاني إرجاع الدولة إلى سابق عهدها المجيد ، فعمل على صد التيارات الانفصالية وحل المشاكل التي تتخبّط فيها الدولة ، فعمد إلى الحيلة والتحايل من أجل حماية هذا الدرع الواقي لرسالة الإسلام من الاندثار،وحكم البلاد من جرّاء ذلك أكثر من ثلاثين سنة(1876ـ1909م) ، عاش في ظلها الكوثري أعزّ أيامه، ولهذا يعد التفصيل في وصف ذلك العصر مفتاحا أساسيا في فهم شخصية الكوثري وكيفية تفاعله مع الأحداث السياسية والثقافية التي عاصرها في العهد المشار إليه أو الذي تلاه وخاصة فترة حكم الاتحاد والترقي ثم مرحلة الكماليين.
1/2عهد السلطان عبد الحميد الثاني:
استهل عمله في ظل ظروف مأساوية بدأت بوفاة عمه عبد المجيد (1277هـ/1861م) واغتيال أخيه عبد العزيز(1293هـ/1875م)، وقد صادف ذلك تسرّب الأفكار المناهضة للأصالة الإسلامية من خلال مراد الخامس الذي كانت تربطه بالدوائر الإنجليزية والماسونية علاقات حميمة بواسطة مدحت باشا ([17]).
بدأ السلطان حركته الإصلاحية بوضع صيغ فعّالة للحد من خطورة التوجهات الانفصالية المشجعة من قبل الأوربيين ([18]) ، قال السلطان عبد الحميد الثاني :" منذ قرن كامل خبرنا بآمال ونوايا العناصر البلغارية والروسية في الاستقلال الذاتي، يسعى البلغار والسلاف نحو التخلّص من حكم العثمانيين"([19])
كما عمل في ذات الوقت على منع التدخّل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة والحد من خطورة الحركة الدستورية ( كانت على أشدّها في تلك المرحلة) ([20]) بهدف بعث حركية سياسية إسلامية جديدة تتوخى تطبيق الشريعة وتتمثّل مقاصدها ، فبدأ بخاصة نفسه آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ومحاربا لمظاهر الفساد الإداري والسياسي داخليا وقطع الطرق عن الأطماع الأجنبية خارجيا مع تقشّف متميّز.
وفي هذا الجو السياسي المشحون بالمؤامرات ظهرت عدّة حركات سياسية جديدة بعضها متّصل بالأمة وآمالها وآلامها، وبعضها الآخر يتوخى تحقيق رغبة الآخر في البلاد العثمانية، فمن الأولى كانت حركة الجامعة الإسلامية، ومن الثانية كانت حركات الاتحاديين والكماليين.
1/2/1 الجامعة الإسلامية والخلافة الإسلامية:
ظهرت الجامعة الإسلامية كفكرة فعالة على الساحة السياسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي على يد شخصيتين عالميتين، أولاهما جمال الدين الأفغاني ([21])، و ثانيتهما السلطان عبد الحميد الثاني.
حاول من منصبه السياسي استغلالها باستعطاف المسلمين نظرا للظروف الصعبة التي تمر بها بلاد المسلمين بصفة عامة،و خاصة في ظل عدم وفاء الأوربيين بما أبرم من اتفاقات في مؤتمر برلين(1878م)، وتسرّب تيار الإصلاحات وفق المنظور الغربي في دواليب السلطة وقد واكب ذلك أزمة مالية خانقة مصحوبة بتحديات عسكرية([22]).
ورغم اتفاق الرجلين من حيث الغاية إلا أنهما-للأسف الشديد-اختلفا من حيث الوسائل والأساليب المحققة لتلك الغايات.
فالأول: يرى أن أقصر طريق وأنجعه يتلخّص في الثورة على الأنظمة ثم تتحد الحكومات، ولهذا اتهم بتأسيس جمعيات سرية و خاصة بعد قتل الشاه([23]) الذي أتهم بقتله أحد مريديه، وقد قالوا بأنه قال حين قتله خذها من جمال الدين".
أما الثاني:فيرى الحل في إحياء الدعوة إلى الخلافة التي تمثّلها الدولة العثمانية.
لهذا لم يعمّر اتفاقهما طويلا نظرا لاختلاف المسلكين، وتذكية خلافهما من قبل قوى([24]) لا تريد الخير للأمة،فأفلت فكرة الجامعة الإسلامية، لتظهر بعد ذلك على يد السلطان عبد الحميد الثاني في ثوب جديد عرف باسم الخلافة الإسلامية.
بدأ السلطان دعوته إلى الخلافة ( سنة 1904م)، وذلك بعد أن هيّأ لها الشروط الموضوعية-حسب تقديره- بغرض قطع الطريق على التيار الدستوري([25])والحيلولة دون توغّل الأوربيين في البلاد، والسعي إلى إحكام السيطرة على الولايات العربية وغيرها من الولايات.
حاول السلطان وخز الضمير الإسلامي في الداخل والخارج لعلّه يظفر بنصير لمواجهة الاستدمار العالمي،إلا أن الأزمات الداخلية حالت دون بعث عناصر ديمومة فكرة الخلافة الإسلامية([26])، ورغم المصاعب المحيطة به من كل جانب لم ينثن وقام بأعمال جبارة لم يكتب لها النجاح المنتظر للأسف الشديد.
وتتلخّص تلك المحاولات في التركيز على مواجهة الأفكار الأوربية المتلبّسة بالتنظيمات الدستورية في الداخل من خلال الدعوة إلى إحياء الخلافة والالتزام الفعلي بأحكام الشريعة الإسلامية.
بدأ السلطان بخاصة نفسه متقشّفا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر([27])محاربا لمظاهر الفساد مع عمل دؤوب من أجل تحقيق الإصلاح الشامل.
أنشأ شبكة الطرقات بهدف تخفيف كلفة النقل([28])، وأنشأ المؤسسات العلمية كجامعة استنبول والعسكرية كالكليات العسكرية والمدارس التعليمية([29])،كما سعى إلى بعث إعلام فعّال بإنشاء المجلات والنشريات والدوريات([30])، وحاول في الوقت نفسه إصلاح التعليم بإدخال العلوم الدينية واللغة العربية في المقررات الرسمية، وتشجيع استعمال لغة القرآن في المجال الثقافي والعلمي، وهذا رغم العراقيل التي وضعها محمد سعيد باشا، ومنع إطلاق الترجمة الأوربية للأسماء العربية والتركية على الشوارع([31])هذا على الصعيد الداخلي،أما على الصعيد الخارجي فقد منح الأولوية للحد من نفوذ إنجلترا وفرنسا وروسيا في الدولة العثمانية،فرغب في التقارب مع ألمانيا والاستفادة من خبراتها العسكرية في تنظيم الجيش مع استثمار صلاته الدبلوماسية من أجل الاستفادة من الخبرة البحرية الإنجليزية([32]).
وقد نتج عن التقارب العثماني الألماني زيارة ولهلم الثاني للآستانة حيث طمأن خلالها السلطان، وأكّد له مساندة الشعب الألماني لخليفة المسلمين([33]).
وقد شلّ اليهود والماسونيون محاولات الإصلاح الداخلية والخارجية بهجمات سياسية شرسة، و خاصة بعد فشلهم في إقناعه ببيع فلسطين ، حيث يقول ردا على رغبتهم في شراء فلسطين:"نكون قد وقّعنا قرارا بالموت على إخواننا (أهل فلسطين) في الدين…لا يريد الصهيونيون إنشاء حكومة لهم وانتخاب ممثلين سياسيين عنهم ، وإني أفهم جيدا معنى تصوراتهم …إن هرتزل يريد أرضا لإخوانه في دينه "([34])
و قد سجّل تيودور هرتزل (الباعث الأول لفكرة الدولة العبرية في فلسطين في مدينة بال السويسرية) للسلطان إخلاصه لدينه ووطنه حيث قال عنه:" إنه لا يتخلى أبدا عن القدس "([35]) ، كما سجّل أنه قال لمبعوث اليهود الراغب في شراء فلسطين:" لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد لأنها ليست لي بل لشعبي ، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا …لا أستطيع أبدا أن أعطي أي جزء منها ، ليحتفظ اليهود ببلايينهم"([36])
لم يرفض السلطان بيع فلسطين فحسب، بل رفض المساومة والسمرسة نفسها، وأكد هرتزل هذه المعاني بوضوح،بيّن من خلاله عدم رضوخ السلطان للترغيب والترهيب الذي سلّط عليه من كل جانب،وردا لما بذله اليهود من وسائل ترغيب وترهيب، يقول السلطان عبد الحميد الثاني : " فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون مقابل إنما لن تقسم إلا جثثنا ولن أقبل بتشريحها لأي غرض كان "([37])
استغل اليهود الظروف المحلية والدولية أحسن استغلال فأوغروا قلوب الأوربيين عليه بما أوتوا من مكر و خديعة متأصّلة فيهم…وظلوا على تلك الحال من غير ملل أو كلل إلى أن تمّ لهم المراد فخلع السلطان بأيد محلية (وطنية) -وإمعانا في الانتقام بلّغه قرار خلعه الوسيط اليهود( قره صو) الذي ردّه خائبا في محاولات شراء فلسطين([38])
ولّد تسارع الأحداث السياسية ظهور أحزاب سياسية تتبنى طرحا مغايرا للاتجاه الأصيل في الأمة ولهذا تعد في أحسن أحوالها محاولة لتمكين القيّم الغربية من المجتمعات الإسلامية.
سمح الوضع الجديد بانكشاف المستتر من الجمعيات المتسرّبة في المجتمع العثماني،فنادى بعضهم بالإصلاح الجذري وفق المنظور الغربي، واختارت مجموعة أخرى التلفيق بين الموروث الإسلامي والفكر الغربي،…واحتدم الصراع بين الفريقين في المجتمع العثماني،فكانت الغلبة للمجموعة الأولى بقيادة مدحت باشا([39])(1238هـ-1301هـ)-(1822م-1883م) الذي يعد جهده امتدادا مرتقبا لفريق متأصّل الجذور في المجتمع العثماني([40])
حاول مدحت باشا تطبيق النظام الإنجليزي في الإدارة والحكم، فوضع الدستور للحد من صلاحيات السلطان الذي اختاره لمنصب الصدارة العظمى إرضاء للمجتمع العثماني المريض،يؤكد هذا المعنى قول السلطان:"لم أكن أستطيع الوقوف أمام تيار ذلك العهد،كنت مجبرا على التعاون معهم،فقد كان من الضروري أن أتقدّم لشعب مريض أفصح أن اسم مدحت باشا يساوي في حساب الجمل ([41]) دواء الأمة أن تقدم له الدواء الذي طلبه"([42]).
اقترح الفريق المتسلّط الجديد إضافة الصليب إلى راية الدولة إرضاء للغربيين، كما عمل على تدريس اللغات القومية في المدارس الرسمية للدولة([43])، وإمعانا في خدمة الأوربيين عينوا ولاة من غير المسلمين في ولايات أغلب سكانها مسلمين، وسمحوا بالتحاق الطلبة غير المسلمين بالجيش والمدارس الحربية خاصة الأرمن المعروفين بسوء أخلاقهم وعمالتهم للدول الغربية.
ليس هذا فحسب، بل أقحم الصدر الأعظم(مدحت باشا) الدولة العثمانية في حرب خاسرة ضد روسيا(1877م)، ونجم عنها قبول معاهدة سان ستيفانوس(03/03/1878م)،نالت الدولة العثمانية المهيبة([44]) بموجبها ذلا لا تحسد عليه،تدخّل بعدها السلطان بغرض تخفيف آثارها الوخيمة،فعقد بموجب ذلك مؤتمر برلين(13/07/1878م) ([45])، وأقيل بعدها مدحت باشا ونفي بموجب الدستور([46])،أرجع بعدها إلى الواجهة السياسية للدولة بإيعاز من السلطان نفسه وهو أمر يدعو إلى الدهشة والاستغراب.
وقد واكبت هذه الحركة مجموعة أخرى ركّزت إصلاحاتها على الاستفادة من التجربة الإنسانية الأوربية في مجالات مخصوصة، منها أساليب الحكم والإدارة والثقافة والاجتماع وخاصة ما جاءت به الثورة الفرنسية من مثل الحرية والمساواة والعدالة، مع العمل على إيجاد مسوغات شرعية للاقتباس من أوربا،فأرجعوا النظام البرلماني الأوربي في إنجلترا وفرنسا إلى الشورى في الشريعة الإسلامية([47]).
مثّل الاتجاه ودافع عنه المفكر العثماني ضياء باشا المفكر الوطني الملقّب بشاعر الحرية وأب الوطنية([48])بمفهومها العثماني،فقد كان متمسكا بالدولة العثمانية واستمرار قوانينها ومعتقداتها التي تشكل أساس حضارتها([49]) وتميّزها عن غيرها من الأمم الشرقية والغربية.
فتحت هذه الاتجاهات السياسية المتنافرة باب الصراعات على مصراعيه،فظهر التشرذم والتحزّب والانتصار للآخر بشكل علني، وصرّح على رؤوس الأشهاد برغبة جامحة في الدفاع عن الأوربيين ومثلهم ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ثم توالى التنافس في صيغة الدفاع، فركّز البعض على العمل السياسي الجماعي و اختار آخرون العمل الثقافي الفردي تهيئة للعقول لقبول الأفكار الأوربية.
ثانيا: التيارات السياسية
عاصر زاهد الكوثري كثيرا من التيارات السياسية، وكانت له معها مساجلات كبيرة،فقد ناقش كثيرا منها،فحفظت مؤلفاته مواقف صريحة من الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة والاتحاديين والكماليين، ولبيان ذلك اخترنا الحديث عنها باختصار في بداية الأمر.
2/1 الاتحاد والترقي:
تعرّض هذا الحزب إلى مضايقات كبيرة في بداية أيامه نظرا لإعلانه الصريح معاداة الخلافة ، مما اضطره إلى العمل في سريّة تامة بدأها سنة(1317هـ/1899م) ليعقد مؤتمره الأول في باريس (1320هـ/1902م) ثم مؤتمرا ثانيا (1324هـ/1906م) حرّض فيه على إبعاد السلطان عبد الحميد الثاني بواسطة العصيان العسكري (الذي تم في إزمير واستنبول([50]) ثم الأناضول سنة (1326هـ/1908م) .
نجح هذا الحزب جزئيا فمكّن لرجاله، ولكنه فشل في إبعاد السلطان نظرا لضعف موقفهم السياسي ولما لقيه السلطان من تأييد المشائخ وبعض العسكريين المنادين بتطبيق الشريعة([51]) ، لكن ذلك لم يدم طويلا ،إذ استغلوا الظروف المحلية والدولية للانقضاض على السلطان ،فبرزت الثورة المضادة قوية متسعة، وتمكنوا أخيرا من القيام بانقلاب عسكري على السلطة القائمة و إبعاد السلطان في شهر أبريل(نيسان)1909م وسجنه في سالونيك ([52])(المدينة التي يهيمن عليها اليهود)، وطورد بموجب هذا الانقلاب خيرة أبناء المجتمع العثماني .
مرت مرحلة حكم الاتحاديين بمرحلتين أساسيتين كانت أولاهما مهيئة لتحقيق الثانية، أولاهما(1909ـ1914م)، وثانيتهما(1914ـ1918م)، انتهت الأولى باستياء شعبي كبير من جراء استبدادهم وقلّة اكتراثهم بالموروث الثقافي والحضاري للأمة العثمانية، وعملا منهم على امتصاص الغضب الشعبي المتزايد أقيل محمود شوكت باشا(1913م)([53]) ، لتأتي المرحلة الثانية التي استبشر العامة بها خيرا ، ولكن الأحوال بقيت على حالها سواء من ناحية الخلفية العقدية للدولة أو من حيث الوضع السياسي والاجتماعي المتردي لأنهم سرعان ما عادوا إلى ما عرفوا به في سالف الأيام([54]).
2/2 التاريخ السياسي للاتحاديين
تسرّب الاتحاديون إلى مواقع القرار في الدولة العثمانية، ومن ثمّ عمدوا إلى اتخاذ قرارات جائرة باسم الدولة،فأشاعوا التقتيل باسمها وتحت لوائها و أغروا بتلك التصرفات الرعناء القوميات على المطالبة بالانفصال،استحوذوا بعدها على أغلب مقاعد المجلس الوطني بطريق المكر والخداع.
خلصت لهم بعدها الهيمنة على مصادر القرار في المجتمع العثماني بغرض الانتصار للقومية الطورانية على حساب القوميات الأخرى المكوّنة للمجتمع العثماني، وانتصارا لتلك القومية منعوا التحدث باللغة العربية في المجلس الوطني، كما منعوا تدريسها في المدارس الرسمية،فأشعلوا بتصرفاتهم فتنة مزّقت المجتمع العثماني، وإمعانا في إبعاد العربية طردوا جل العرب من الوظائف السامية في الدولة،فعزلوا ثلاثة عشر متصرفا إداريا وعوّضوا بأتراك،كما طرد الموظفون العرب من وزارة الخارجية، وتمادوا في تلك السياسة إلى أن بلغت نسبة الموظفين العرب في مجموع الوزارات أدنى ما يمكن منذ نشأة الدولة العثمانية.
فقد كان عدد الموظفين الأتراك في الوظائف السامية مائة وإحدى عشر موظفا، وإحدى عشر موظفا يهوديا، وعشر موظفين من الأرمن، وعربي واحد فقط([55])
وبلغة الأرقام يمثل عدد الموظفين السامين العرب نسبة أقل من واحد (0.72)من مائة ، وعممت هذه السياسة على سائر المجالات ،فأصبح عدد الطلبة الموفدين إلى الخارج يمثل ربع واحد(0.25) من مائة([56])
وتمادوا في تلك السياسة الرديئة ،فبلغوا فيها حدا لا يطاق،فهجّروا السوريين من أوطانهم واعتبروا اليمن والحجاز مستعمرات تركية([57])، وسلّطوا بموجب هذه السياسة جمال باشا السفاح على الشعب فقتّل وحرّق وهجّر(1915-1916م)في سوريا وأرمينيا([58])
وكشفت هذه السياسة ما كان مستورا فانقلبوا على القوميات التي شجّعوها في سالف الأيام، وخاصة القومية العربية،ليخلص لهم اجتثاث لغة القرآن من المجتمع الجديد([59])،وقد وصل بهم الاستهتار حدا لا يطاق، لا يتصوره أي عاقل،منها منع الشيخ محمد الطاهر الجزائري (1268-1338هـ)(1852-1920م( ([60]) من تدريس الشريعة الإسلامية في إعدادية بيروت…هذا قطر من فيض أما عن إهانتهم للعرب وحضارتهم الإسلامية فحدّث ولا حرج([61])
صلة الاتحاديين باليهود :
نشأ الحزب في كنف يهود الدونمة(([62] في مدينة سالونيك حيث وجد روادها الرعاية الكاملة في الفترة السرية، يقول أحد زعمائهم( رفيق بك)): “ حقا أننا وجدنا سندا معنويا من الماسونية الإيطالية عند ما قدم لنا المحفلان الإيطاليان في سالونيك خدمة حقيقية، وفّر لنا الملاجئ، فكنا نجتمع لتنظيم أنفسنا، كما أننا اخترنا معظم رفقائنا من هذين المحفلين اللادينيين، نظرا لما كان يبديانه من دقة في الاستفسارات عن الأفراد "([63])
يؤيد ما ذهبنا إليه الوثائق والشهود العدول منهم العلامة مصطفى صبري (ت1373هـ/1954م)حيث يقول:"عند بدء الحرب بيننا وبين إيطاليا في طرابلس الغرب عقدت جلسة سرية بطلب من سعيد باشا(رئيس الوزارة الاتحادية) كان الغرض منه استجلاب أصوات الثقة لتلك الوزارة من النواب ، فاتفق أن قرأ محمود ناجي بك نائب طرابلس الغرب رسالة وصلته من أخيه (بحضور مصطفى صبري بصفة نائب عن مدينة توقاد)فقال:" إن كل الأحزاب الإيطالية متفقة على احتلال ليبيا إلا حزبين البناءون الأحرار(الماسونيون) والاشتراكيون ، حيث ورد عن البناءين الأحرار الإيطاليين :" لا يجدر بنا أن نصول على الأتراك حال كون حكومتها في أيدي البناءين الأحرار لأن ذلك يفضي إلى تزعزع مراكزهم"([64])
و ذكر مراسل إحدى الجرائد المصرية من أنقرة أن الحكومة الاتحادية التركية الحالية استندت إلى الإسرائيليين والماسونية لتتغلب بها وتستعين بأموالها([65]).
ليس هذا فحسب بل كان على رأس لجنة قرار خلع السلطان عبد الحميد الثاني الماسوني اليهودي قره صو الاتحادي([66])
يتبيّن مما سلف أنها حركة قومية طورانية([67])حبلها السري مربوط باليهود،غرضها النهائي تأسيس دولة علمانية وفق الأنموذج الغربي في السياسة والحكم وقطع كل صلة لها بالإسلام وما تعلّق به من لغة ومعالم وأسماء وشريعة و…وهو ما يبرر المساهمة في تسليم فلسطين لليهود تحت غطاء الخضوع للحملات الدبلوماسية التي مارستها البعثات السياسية الغربي في الآستانة سنة 1911م([68])
2/3 الحركة الكمالية :
انتقل الحكم بعدها إلى وريثهم الشرعي المعروف بالكماليين ، لأن الفريق الأول ليس سوى مهيئا لظروف جديدة ستفرض بقوة السنان على الأمة، إذ كانت أعمال الاتحاديين بمثابة إرهاصات إلغاء الخلافة ([69])، ولعل من علامات ذلك إبعاد اللغة العربية من التداول الرسمي بل والشعبي ثم إلحاق المحاكم الشرعية بوزارة العدل الحاكمة بغير شرع الله حتى في الأحوال الشخصية ( قانون الأسرة)…وبدؤوا ينكثون عرى الإسلام عروة عروة إلى أن تم لهم إلغاء الخلافة سنة1924 م ، وتحقق أمل الأوربيين في جعل تلك البلاد دولة لائكية وفق الأنموذج الغربي([70]).
حقيقة الحركة الكمالية:
تعتبر الحركة الكمالية امتدادا طبيعيا للاتحاديين ، ظهرت نواتها الأولى باسم " الحرية العثمانية " ، أسسها مصطفى بن علي(ت 1938م) بمدينة دمشق مع مجموعة من الضباط الأتراك ،كان بعضهم بما فيهم المؤسس يحضرون اجتماعات الاتحاديين([71]) ويعلنون عدم مخالفة سياستهم في بعض الأحيان… لهذا كان الصراع بينهما صراع نفوذ ، خاصة إذا استصحبنا الفكرة السابقة، ولأننا لو نظرنا إلى الحركتين من زاوية الخلفية السياسية والثقافية والحضارية لوجدناهما وجهين لعملة نقدية واحدة …
استغل الكماليون كسابقيهم الأوضاع المأساوية المشحونة بالخوف ، وبدءوا يمهدون للاستحواذ على السلطة، فأعلن أتاتورك استقلاله عن الحكومة المركزية واستقر في أنقرة ثم أسرع إلى اتخاذ إجراءات هامة منها الدعوة إلى عقد المجلس الوطني الكبير ((23/04/1920م)، وانتخب في تلك الأثناء رئيسا للمجلس والحكومة واختار أنقرة عاصمة للدولة الجديدة ، وتم له في الوقت نفسه تسوية بعض المشاكل مع الدول الغربية([72])…تكاتفت هذه العوامل وغيرها( الإعلام الغربي اعتبره محرر إزمير ([73]) ) في تلميع صورة الرجل في البيئة الإسلامية.
انتقل بعد الهيمنة على مقاليد الحكم إلى إعلان الفصل بين السلطة والخلافة ((10/11/1922م )وظهر التلاعب بالقوانين فسنّ قانون الخيانة العظمى الذي نكّل بموجبه بكل معارض ، وطورد بموجبه العلماء والطلبة ونخبة المجتمع من المعارضين ، وكان من بين من نعرّض للمضايقة زاهد الكوثري ومصطفى صبري وسعيد النورسي وغيرهم كثير.
وتنتهي تلك الفترة الحالكة من تاريخنا السياسي بإلغاء الخلافة بتاريخ(03/03/1924م)وإزالة كل متعلقاتها (تطبيق الشريعة ،المحاكم الشرعية، اللغة العربية، الحجاب ،منصب شيخ الإسلام …)وعدّل الدستور بتاريخ(20/04/1926م) وحذفت منه المادة الثانية التي تنص على أن الإسلام دين الدولة([74])،وفشت مظاهر الفساد والإلحاد، وأجبر أتاتورك نساء أنقرة على نبذ الحجاب، وخرجت زوجته ترتدي ثياب الرجال وتحرّض النساء على المطالبة بمساواتهن بالرجال()،ثم أزيحت الحواجز بين الجنسين في السفن والمراكب والمسارح و الأماكن العمومية، وانتقلوا بعدها إلى منع تعدد الزوجات ورفع سن الزواج،ليس هذا فحسب بل دعوا إلى أسوا من ذلك على الإطلاق، فدعوا إلى الأفكار القومية التي جبّها الإسلام ممثّلة عندهم في الوثن التركي بوزقوت (الذئب الأبيض) وتغنوا بأناشيده، و صار بعدها صورة متداولة على الطوابع البريدية([75]) .
وتحقق للكماليين مبتغاهم و أنشأوا دولة مسايرة لمدينة أوربا والغرب([76])على حساب الإسلام والحضارة الإسلامية،وفي ذلك يقول أحدهم" إننا عازمون على أن ندوس بأقدامنا وننسف كل موانع وحوائل في طريقنا التي تذهب بنا من الشرق الذي ودعناه إلى الغرب الذي يممناه حتى أن التغرّب لا يقتصر على شؤوننا الرسمية و قوانيننا بل ستكون أدمغتنا و عقليتنا غربية "([77])، واختاروا بموجب هذه السياسة القوانين السويسرية([78]) بديلا عن الشريعة.
ومما سلف بيانه يتّضح أنهم بمثابة سدنة اليهود والغرب في البلاد الإسلامية عامة وتركيا على الخصوص،عملوا على تعطيل الشريعة وبعث الأفكار الجاهلية التي تمثّلها الطورانية([79])
ثالثا:التيارات الثقافية
(هيّا) المهيمنون الجدد على السياسة جوا ثقافيا محققا لرغباتهم ، مستغلين في ذلك الجو الذي ولّده الجمود الثقافي في المجتمع العثماني.
وبإيعاز مباشر منهم حينا وغير مباشر أحيانا أخرى احتضنت البلاد العربية التيارات الثقافية الانفصالية،إذ ظهرت الدعوة إلى القومية العربية في بلاد الشام على أيد النصارى الذين استوحوا أفكارهم من رجال التنصير الأوربيين والأمريكيين([80]).
ظهرت في لبنان المدارس اليسوعية الموجّهة دينيا من روما وسياسيا من فرنسا ،ثم سرّبت في القرن الثامن عشر إلى سوريا([81])،لهذا اعتبر نصارى الشرق رواد الحملات الصليبية([82]) الجديدة، واعتبرت مؤسساتهم التعليمية أوكارا للتآمر على الإسلام والمسلمين.
تبنى عرب الشام القومية العربية بطريق تلك المؤسسات وبمباركة ورعاية القوتين الفرنسية والأمريكية([83])، ومكّن للفكرة من خلال مؤسساتهم التعليمية والخيرية([84])، وفي إطارها وبرعايتهم برزت الجمعيات الأدبية المروّجة لأفكار اليسوعيين والمبشرين.
3/1 المؤسسات التي ظهرت بمباركتهم:
1- تأسيس جمعية علمية برعاية الإرساليات الأمريكية سنة 1842م، وظهرت بعدها جمعية علمية غامضة الأهداف عرفت باسم" جمعية الفنون والعلوم" وكان ذلك سنة 1847م،ساهم في بعثها رجال من مختلف الجنسيات ومن طبقات اجتماعية متنوعة.
2- ظهرت الجمعية الشرقية برعاية الأب اليسوعي هنري دوبرنير([85])،وتأسست بعدها الكلية اليسوعية التي عرفت فيما بعد بجامعة القديس يوسف سنة 1866م([86]).
3- دشّنت في الفترة نفسها الكلية البروتستانتية المعروفة فيما بعد بالجامعة الأمريكية بهدف إحياء الأدب العربي القديم([87])
4- انبثق عن المؤسسة السابقة جمعية خريجيها، وكان ذلك سنة 1875م،سعت هذه الجمعية إلى نشر أفكار الجامعة، وكانت أفكارها تقليدا لحزب تركيا الفتاة([88])
إن عملا كهذا يؤكد أن مصدر البلاء الذي حلّ بالعالم الإسلامي- و بما لا يترك مجالا للشك - هو بلاد الشام ،فمنها بدأت الدعوة إلى العلمانية(اللائكية) سنة 1875م،أي قبل ظهورها في تركيا نفسها، ومن تلك البلاد بدأت الدعوة إلى زعزعة مكانة اللغة العربية وإحلال العامية مكانها وهذا قبل ظهور ما في مصر وتركيا والجزائر([89])و غيرها من بلاد المسلمين، و كانت السباقة إلى تبني القومية والدعوة إليها ، وهذا قبل ظهورها في تركيا وباقي البلاد العربية على يد ساطع الحصري(أبو خلدون)