تعقيــب على فتوى

الأخ أنيس بن عبد الرحمن قرقاح

مدرس الفقه بالمعهد الأوروبي

في إباحة شراء المنازل بالربا

 

 

بقلم

جلال علي عامر

خريج كلية الدعوة وأصول الدين/ الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، أما بعد،،

 

فقد نشرت مجلتكم الموقرة ( الأوروبية ) التي تصدر عن اتحاد المنظمات الإسلامية في   أوروبا ، عدد 10 السنة الثالثة 2 أبريل 1999م ، ص 37 ، فتوى في إباحة شراء البيوت بالربا ، فرأيتها تحتاج إلى مناقشة وإعادة بحث ، حتى تكون الفتوى محررة ودقيقة .

 

أقول: قد استند المفتي في إجازة شراء البيوت بالفائدة إلى الضرورة ، حيث قال في فتواه: والدليل على ذلك هو الضرورة التي تجعل المسلم يتملك بيتاً ليستقر فيه مع أبنائه حتى يستطيع أن يتمكن من تربيتهم ويبعدهم عن الأحياء المضرة والمفسدة للشباب .

ولا بد في الحقيقة من معرفة معنى الضرورة ، لأن الكثير من الناس قد أشكل عليهم تمييز الضرورة عن الحاجة ، وصاروا يظنون أن كل ما يحتاجه الإنسان في أمور معيشته هو من   الضرورات .

ثم بعد ذلك ننظر هل تتحقق الضرورة في المسألة المذكورة هنا .

ثم أذكر بعد ذلك الفرق بين الضرورة والحاجة .

ثم أذكر كيف أن الأخ لم يحرر المذهب الحنفي ، الذي قال إن بعض الباحثين المعاصرين أجاز هذه المسالة بناء على فتوى عند السادة الحنفية .

ثم بعد ذلك أختم ببيان بعض ما ذكره المفتي من أمور عامة .

والله المستعان ، وعليه التكلان .

 

تعريف الضرورة وبيان حدها

 

عندما قمتُ بالبحث في كتب الفقهاء السابقين عن معنى الضرورة ، وجدتهم يتفقون على معنى لم يختلفوا فيه ، وهو أن الضرورة ما أدى إلى فقد عضو أو تلف نفس .

وإليك بعضاً من أقوال العلماء :

قال الإمام الرازي الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى ، في كتابه أحكام القرآن ( 1/ 159 ) شارحاً معنى الضرورة التي تبيح أكل المحرم ، ما نصه :

(( ومعنى الضرورة هاهنا هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل ، وقد انطوى تحته معنيان:

أحدهما أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة .

والثاني أن يكون غيرها موجوداً ولكنه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه .

وكلا المعنيين مراد بالآية عندنا لاحتمالهما ، وقد روي عن مجاهد أنه تأولها على ضرورة الإكراه .

ولأنه إذا كان المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف على نفسه من الضرر في ترك تناوله وذلك موجود في ضرورة الإكراه وجب أن يكون حكمه حكمه ، ولذلك قال أصحابنا فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكلها حتى قتل: كان عاصياً لله كمن اضطر إلى ميتة بأن عدم غيرها من المأكولات فلم يأكل حتى مات كان عاصياً ، كمن ترك الطعام والشراب وهو وأجدهما حتى مات فيموت عاصياً لله بتركه الأكل لأن أكل الميتة مباح في حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير حال الضرورة والله أعلم )) .

 

وقال أيضاً ( 1 / 160 ) : (( والضرورة هي خوف الضرر بترك الأكل إما على نفسه أو على عضو من أعضائه فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت    الضرورة )) .

وقال أيضاً ( 3/ 97 ) : ((لأن الضرورة المبيحة للمحرمات لا توجد في المتعة وذلك لأن    الضرورة المبيحة للميتة والدم هي التي يخاف معها تلف النفس إن لم يأكل وقد علمنا إن الإنسان لا يخاف على نفسه ولا على شيء من أعضائه التلف بترك الجماع وفقده )) .

 

وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه المشهور المغني ( 9/ 331 )  ما نصه:

(( إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل )) .

 ثم قال: (( فصل وتباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعاً ، لأن الآية مطلقة غير مقيدة بإحدى الحالتين ، وقوله: (( فمن اضطر )) لفظ عام في حق كل مضطر ، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة وسبب الإباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك لكون هذه المصلحة أعظم من مصلحة اجتناب النجاسات والصيانة عن تناول المستخبثات ، وهذا المعنى عام في الحالتين )) ثم قال:

(( ولكن الضرورة أمر معتبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه المظنة ، بل متى وجدت    الضرورة أباحت سواء وجدت المظنة أو لم توجد ومتى انتفت لم يبح الأكل )) .

 

وقال الإمام أبو حامد الغزالي الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه الوسيط ( 7/ 168 ) ما نصه:

(( الباب الثاني في حالة الإضطرار ، قال الله تعالى: (( إلا ما اضطررتم إليه )) ، فيباح تناول الحرام للضرورة ، والنظر في حد الضرورة وجنس المستباح وقدره .

أما الضرورة فنعني بها أن يغلب على ظنه الهلاك إن لم يأكل ، وكذلك إن خاف مرضاً يخاف منه الموت لجنسه لا لطوله ون كان يخاف طول المرض وعسر العلاج ففيه قولان ولا شك في أنه لا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت فإن الأكل بعد ذلك لا ينعشه والظن كالعلم هاهنا كما في المكره على الإتلاف )) .

 

وقال الإمام المرغيناني الحنفي في كتابه: الهداية شرح البداية ( 3/ 277 ) ما نصه :

(( فصل:  وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر إن أكره على ذلك بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل له إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه فإذا خاف على ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه ، وكذا على هذا الدم ولحم الخنزير لأن تناول هذه المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في حالة المخمصة لقيام المحرم فيما وراءها ، ولا ضرورة إلا إذا خاف على النفس أو على العضو ، حتى لو خيف على ذلك بالضرب الشديد وغلب على ظنه ذلك يباح له ذلك ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به ن فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم لأنه لما أبيح كان بالامتناع عنه معاوناً لغيره على هلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يأثم لأنه رخصة إذ الحرمة قائمة فكان آخذاً بالعزيمة )) .

 ثم قال: (( وإن أكره على الكفر بالله تعالى والعياذ بالله أو سب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراهاً حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه ، لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لما مر ففي الكفر وحرمته أشد أولى وأحرى .

 

 

 

وقال الإمام ابن جزي المالكي في كتابه القوانين الفقهية ص 116:

(( الباب الثاني في حال الاضطرار

ولاخفاء أن الميتة تباح للمضطر ، ثم إن النظر في حد الضرورة وجنس المستباح وقدره .

أما الضرورة فهي خوف الموت ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت )) .

 

 

فاتضح لنا بجلاء معنى الضرورة التي يباح عندها المحرم ، فهي أن يخاف المرء على نفسه الهلاك بالموت أو بتلف عضو من أعضائه .

فكل ما لا يدخل تحت هلاك النفس لا يعد من الضروريات ، وإنما يأخذ مرتبة أقل منها هي مرتبة الحاجيات ، وفرق بين المرتبتين ، فالمحرمات تباح للضرورة ، ولا تباح للحاجة .

 

وإذا أراد أحد الاستزادة فليراجع كتاب الموافقات للإمام الشاطبي لمزيد البيان عن الحاجيات والتكميليات .

 

وبالنسبة لأحكام الشريعة فلا يمكن القول بأنها جاءت بما ترتاح إليه شهوات الإنسان ورغباته ، ولذلك علينا أن نميز بين الضرورة التي سبق تعريفها ، وبين الحاجة التي هي أقل منزلة من الضرورة ، وتشمل كل ما يحتاجه المرء في حياته .

 

هل الانتقال من منزل لآخر ضرورة ؟

فالمنزل إن لم يجد الإنسان مكاناً يأوي إليه ضرورة ، لكنه إن كان لديه مسكن صغير ويريد أن يتوسع في منزل أكبر لا يمكن القول بأن هذه ضرورة ، لأن بقاءه في منزل صغير لا يؤدي إلى هلاك النفس ، والمنزل الكبير إنما يبتغى لمزيد من الراحة والمتعة .

 

وكذلك لا يمكن أن يقال: إن تغيير الإنسان مكان سكنه ضرورة من الضروريات ، خصوصاً في أوروبا التي لا تختلف أماكن السكنى فيها بعضها عن بعض ، ومظاهر الفساد منتشرة في كل مكان لا يمكن لرب الأسرة حجز أهله عنها إلا بالتربية والتعليم ، فلا يوجد مكان يمكن أن يضع المرء فيه أهله فلا يشاهدوا مظاهر انحراف المجتمع الغربي ، هذا من ناحية .

على أن نظام الإسكان في الدول الأوروبية يسمح بالانتقال من مكان إلى آخر بالإيجار ، هذا إذا كان مستأجراً من الدولة .

وإذا أراد أن ينتقل وكان مالكاً فليبع ملكه ثم يشتري آخر ، دون أن يضطر للربا .

 

ومن ناحية أخرى فإنه إذا فرض ذلك في حالة خاصة ، وخاصة جداً فإنه لا يصح أن يفتى بذلك لعموم المسلمين في ديار الغرب ، هذا مع ملاحظة أن هذه الحالة الخاصة لا تتحقق ، وإنما هي تخيل وتحايل من صاحبها على أخذ مال البنوك ، وإلا فإنه يجب على المضطر أن يستنفذ كل ما في وسعه من أمور قبل أن يرتكب المحرم القطعي التحريم .

 

ثم إنه لا يمكن القول بأنه من الضروري أن تتملك مسكناً ، بل من الضروري أن يكون لديك مسكن مطلقاً ، سواء كان بالإيجار أو غيره ، ومن الخطأ الواضح اعتبار المستأجر مضطراً لشراء بيت يملكه ، فهذا توسعة فقط ، فليست من الضروريات ولا من الحاجيات ، بل هي من التحسينيات والتكميليات ( الرفاهية ) ، فأن يباح لأجلها ما أجمع على تحريمه وما توعد الله مرتكبه بالمحاربة أمر لا يستساغ شرعاً ولا عرفاً .

 

الربا بين المسلم والحربي في المذهب الحنفي:

 

وأعود إلى كلام المفتي ، فإنه ذكر أن بعضاً ممن أفتى بهذه المسألة بناها على المذهب الحنفي ، وهذا غير سديد ، لأن المذهب الحنفي أجاز أخذ الربا من الحربي في دار الحرب ، من باب أن مال الحربي مستباح وليس له حرمة ، لا من باب الضرورة .

 

ونحن في إقامتنا في هذه البلاد لا نعتبرها دار حرب ، والذين أفتوا بهذه الفتوى لا يعتبرون الغرب اليوم دار حرب ، فكيف يجيزون لأنفسهم بناء فرع على أصل لا يقولون هم به ؟!!

 

وفي الحقيقة فإن مذهب جمهور الفقهاء لا يفرق في المعاملات الجائزة والممنوعة بين كونها في دار الإسلام وبين كونها في دار الحرب والكفر ، ولا شك أن الاحتياط للدين يقتضي أن لا تؤخذ الفتاوى المتساهلة من هنا وهناك ، خصوصاً أن بعض تلاميذ الإمام أبي حنيفة لم يجز ذلك .

 

وإليك نصوص السادة الحنفية التي تبين أن تجويز أخذ الربا من الحربي إنما جاءت من أن ماله في الأصل مباح بأي وسيلة من الوسائل ، فأن تكون عن طيب نفسه بأخذ الربا أولى .

مع ملاحظة أن الفقهاء الحنفية إنما قالوا: يأخذ المسلم الربا من الحربي ، ولم يقولوا: يعطيه الربا !!!

 

قال الإمام ابن نجيم في كتابه ( البحر الرائق في شرح كنز الدقائق ) 6/ 147:

[  قوله : (( ولا بين الحربي والمسلم ثمة )) أي لا ربا بينهما في  دار الحرب ، عندهما خلافا لأبي يوسف  .

وفي البناية: وكذا إذا باع خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو قامرهم وأخذ المال كل ذلك يحل له .

ولهما الحديث لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب ، ولأن مالهم مباح وبعقد الأمان منهم لم يصر معصوماً إلا أنه التزم أن لا يتعرض لهم بغدر ولا لما في أيديهم بدون رضاهم فإذا أخذ برضاهم أخذ مالاً مباحاً بلا غدر فيملكه بحكم الإباحة السابقة إلا أنه لا يخفي أنه إنما اقتضى حل مباشرة العقد إذا كان الزيادة ينالها المسلم والربا أعم من ذلك إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان من جهة المسلم أو من جهة الكافر وجواب المسألة بالحل عام في الوجهين كذا في فتح القدير .

  وحكم من أسلم في  دار الحرب ولم يهاجر كالحربي عند أبي حنيفة ، لأن ماله غير معصوم عنده ، فيجوز للمسلم الربا معه ، وأما إذا هاجر إلينا ثم عاد إليهم لم يجز الربا معه لكونه أحرز ماله بدارنا فكان من أهل دار الإسلام كذا .

 

في الجوهرة :  وفي المجتبي معزيا إلى الكفاية: مستأمن منا باشر مع رجل مسلماً كان أو ذمياً في دارهم أو من أسلم هناك شيئاً من العقود التي لا تجوز فيما بيننا كالربويات وبيع الميتة جاز عندهما خلافا وأبي يوسف اهـ  والله تعالى أعلم ] .

    

قال الحصكفي في الدر المختار 5 / 186  :

(( ولا بين حربي ومسلم ، مستأمن ولو بعقد فاسد أو قمار ثمة ، لأن ماله ثمة مباح فيحل برضاه مطلقا بلا غدر خلافاً للثاني والثلاثة ، وحكم من أسلم في دار الحرب    ولم يهاجر كحربي فللمسلم الربا معه خلافاً لهما لأن ماله غير معصوم فلو هاجر إلينا ثم عاد إليهم فلا ربا اتفاقاً جوهرة .

  قلتُ: ومنه يعلم حكم من أسلما ثمة ولم يهاجرا  )) .

 

وفي المبسوط للإمام السرخسي 10 / 138:

((  قال: وسألته عن الرجل من أهل الحرب يقتله المسلمون هل يبيعون جيفته من أهل الحرب؟ قال: لا بأس في ذلك بدار الحرب في غير عسكر المسلمين ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: أكره ذلك وأنهي عنه ، وأصل الخلاف في عقود الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد بيناه وأشار إلى المعنى هاهنا فقال: أموال أهل الحرب تحل للمسلمين بالغصب فبطيب أنفسهم أولى ، معناه أن في غير عسكر المسلمين لا أمان لهم في المال الذي جاؤا به فإن للمسلمين أن يأخذوه بأي طريق يتمكنون من ذلك ولا يكون هذا أخذا بسبب بيع الميتة والدم بل بطريق الغنيمة ولهذا يخمس ويقسم ما بقي بينهم على طريق الغنيمة وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب قال لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر الغالب لأن قتالهم بهذه الصفة لإعزاز الدين والاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب ولكن يرضخ لأولئك ولا يسهم لأن السهم للغزاة والمشرك ليس بغاز فإن الغزو عبادة والمشرك ليس من أهلها وأما الرضخ لتحريضهم على الإعانة إذا احتاج المسلمون إليهم بمنزلة الرضخ للعبيد والنساء  )) .

 

وقال الإمام المرغيناني في كتابه ( الهداية شرح البداية ) 3 / 66  قال: (( قال ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب خلافا لأبي يوسف والشافعي رحمهما الله ، لهما الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا ربا بين المسلم والحربي في دار  الحرب ، ولأن مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه المسلم أخذ مالا مباحا إذا لم يكن فيه غدر بخلاف المستأمن منهم لأن ماله صار محظورا بعقد الأمان )) .

 

فهذه نصوص واضحة في بيان أن مذهب السادة الحنفية يعتبر أن مال الحربي مباح ولو أخذه بالقمار أو غيره من الصور ، فهل يجيز من استند لرأي الإمام أبي حنيفة ذلك ؟ وهل يقول إن اليناصيب والقمار والسرقة من المحال التجارية وغيرها من الأمور الجائرة بناء على المذهب الحنفي ؟!!

 

إن مثل هذا القول أمر لا يصدر من الذين يقيمون في دار الغرب بأحكام الأمان ، ويعرفون أنهم كلما عملوا شيئاً من ذلك أساءوا به إلى أهل الإسلام ، ولا شك أن سد الذريعة تعتبر واجبة  هنا .

 

        q   ثم استشهاد المفتي بعدم إقامة الحدود على المسلمين خارج دار الإسلام ليس في محله ، لأنهم وإن منعوا إقامة الحدود لم يجيزوا أسبابها ، ولم يقل أحد من الفقهاء بأن الزنا خارج دار الإسلام جائز أو السرقة أو غير ذلك من موجبات الحدود .

 

        q   وأختم كلامي هنا بالتعليق على فقرة مهمة من كلام المفتي وهي قوله: ((وأعتقد أن مسألة القروض الربوية هي واحدة من المسائل الكثيرة كالتأمينات والعقود الأخرى التي تحتاج من أهل العلم إلى اجتهادات جديدة تراعي المقاصد العامة للشريعة ولا تهمل الواقع الذي تنزل عليه هذه الأحكام ، والناظر إلى المقاصد العامة للشريعة يجد أنها ما جاءت إلا لمصلحة العباد ورفع الحرج عنهم )) .

 

فهذه دعوة من المفتي للاجتهاد ، ولكن في الحقيقة يجب التنبيه هنا على أمور مهمة:

أولاً: إن الاجتهاد ينبغي أن يصدر من قواعد الشرع ، ولا تكون هناك مقررات سابقة لدى من يدعي الاجتهاد لكي يبح أو يحرم ، ومعنى ذلك أن المجتهد يأتي إلى الشرع بنصوصه وقواعده وأدلته ودلالات هذه الأدلة لكي يستخرج منها حكم الله تعالى ، ولا يأتي إلى هذه النصوص وفي نفسه أن يقول بالجواز ، فإن هذا هوى لا يصدر ممن يتقي الله تعالى ، فلا بد من إجراء القواعد والنصوص لاستنباط الأحكام مهما كانت هذه الأحكام .

 

ثانياً: الواقع لا يعد مصدراً من مصادر الأحكام ، فالمجتهد ينظر إلى الواقع ليعرف المحكوم عليه جيداً ولكي لا يخطي في تنزيل الفتوى على الواقعة ، أما ليكون الواقع مصدراً له لاستنباط الحكم ولا يستطيع مخالفة هذا الواقع بحجة التسهيل والتيسير فأمر لم يقل به أحد من الفقهاء المجتهدين ولا يستقيم على قواعد الشرع الحنيف .

 

ثالثاً: الاحتجاج بمقاصد الشريعة على أنها الأمر الذي أهمله الفقهاء السابقون ولم يراعوه ، وأن على فقهاء العصر مراعاته وبناء الأحكام عليه ، أمر غير صحيح ولا مستقيم ، إذ أن مقاصد الشريعة لا يقصد منها أن تكون حاكمة على نصوص الشرع ، بل هي تفسير وفهم لأحكام الشرع الكلية من الفروع .

ولم يقل أحد من العلماء بأن مقاصد الشريعة تعني رد النصوص وتغير الأحكام الثابتة !!

 

        q   أما قوله إن هذا الرأي قد ذهب إليه عدد من العلماء المعاصرين ، فأحب أن أنبه إلى أن جمهور المشايخ المعاصرين ذهبوا إلى تحريم هذه الصورة بناء على أنها من الربا المحرم قطعاً ، والجدير بالملاحظة أن عصرنا هذا قد ظهر فيه الكثير ممن تسموا بالفقه وهم بعيدون عنه ، خصوصاً في هذا الباب ، فظهر في بلاد المسلمين من أجاز الربا الصريح بحجة أنه استثمار ومضاربة !!

ولا أظن أن المفتي بهذه الفتوى التي نحن بصددها ممن يقول بذلك ، لأنه قال بعد فتواه: ((وإذا أقبل المسلم على مثل هذه القروض يبقى دائماً يعتقد بحرمة الربا ، إلا أن الضرورة ألجأته إلى مثل هذا التعامل )) .

 

ومن الطريف أن بعض من أفتى بحل فوائد البنوك في البلاد الإسلامية وبنى فتواه على أنها استثمار ومضاربة منع من الصورة التي نحن بصددها باعتبارها من الاستغلال المحرم ، قال محمد سيد طنطاوي في كتابه معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ، ص 76 ما نصه : (( وهناك صورة ثالثة من صور الربا المحرم ، وتتمثل فيما تفعله بعض المؤسسات من بيعها مسكناً من المساكن ، بعشرة آلاف جنيه مثلاً على أن يدفع المشتري ألف جنيه مقدماً ويدفع الباقي على أقساط بفائدة سنوية ، فهذه الفائدة من باب الربا ، والبديل الحلال عن هذه المعاملة المحرمة أن يباع المسكن بعشرة آلاف جنيه نقداً أو باثني عشر ألفاً مقسطاً على عشر سنوات ، مثلاً بأقساط يتفق عليها )) .

 

هذا مع ملاحظة أن فتوى الطنطاوي بشأن فوائد البنوك المشهورة باطلة من الناحية الفقهية والأصولية .

 

        q   أما عن إحياء ما سماه بفقه الضرورة فأمر غريب ، إذ معنى ذلك أن نعتبر أنفسنا الآن في حال ضرورة ونقوم باستباحة المحرمات في الشريعة بدعوى أننا مضطرون لذلك !!

إن الفقهاء والعلماء لم يغفلوا أحكام الضرورات ، بل إنهم أوضحوها جيداً في كتب الأشباه والنظائر وكتب القواعد الفقهية ، فأي إحياء نطلبه لفقه الضرورات !!

 

وفي الختام أسأل الله تعالى أن يوفقنا جمعياً لنصرة دينه ، وأن يلهمنا رشدنا ويصلح أمورنا ، آمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


نص الفتوى

جاء تحت باب فتوى من المجلة الأوروبية عدد 10 السنة الثالثة 2 أبريل 1999م والتي تصدر عن اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا ، ص 37 ما نصه :

 

 

حكم شراء البيوت عن طريق البنوك الربوية

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين ، وعلى آله وصحابته أجمعين ، وبعد،،

كثر السؤال في السنوات الأخيرة من قبل المسلمين المقيمين في الغرب عن حكم شراء البيوت عن طريق البنوك الربوية .

وهذا الموضوع لا شك أنه حساس جداً لأنه يتعلق بأمر من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة ، وهو تحريم الربا الذي ثبت بالنصوص القطعية من القرآن والسنة الصحيحة .

إلا أن هذا الأمر بالنسبة للمسلمين المقيمين في غير ديار الإسلام يجب أن ينظر إليه نظرة شمولية .

فالمسلمون في هذه الديار أصبحوا جزءاً من المجتمع ، وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا تقارن بأوضاع أصحاب البلاد من الأوروبيين ، فالمسلمون هم فقراء هذه المجتمعات ، وهم الذين يعيشون في المستوى الأدنى ، لأن البطالة في أوساطهم كبيرة جداً ، كما أن الأحياء السكنية التي يعيشون فيها أصبحت أوكاراً للفشل الدراسي لأبنائهم وأوكاراً لتداول المخدارت والعنف .

فأصبح عدد كبير من الآباء الغيورين على دينهم وعلى أبنائهم يريدون الهروب بدينهم ودين آبائهم من هذه الأحياء السكنية ، ولا يجدون حلاً إلا في القروض الربوية .

وأعتقد أن مسألة القروض الربوية هي واحدة من المسائل الكثيرة كالتأمينات والعقود الأخرى التي تحتاج من أهل العلم إلى اجتهادات جديدة تراعي المقاصد العامة للشريعة ولا تهمل الواقع الذي تنزل عليه هذه الأحكام ، والناظر إلى المقاصد العامة للشريعة يجد أنها ما جاءت إلا لمصلحة العباد ورفع الحرج عنهم .

ولهذا فإننا نجد أن أحكاماً كثيرة أجازها الشارع الحكيم لضرورة الناس أو لحاجتهم كالسلم وغيرها .

كما أن فقهاءنا قديماً منعوا إقامة الحدود على المسلمين خارج ديار الإسلام .

وهناك من الفقهاء من أجاز التعامل بالعقود الفاسدة مع غير المسلمين في غير ديار الإسلام برضاهم دون غش أو خديعة ، وإن كنت لا أميل إلى هذا الرأي الذي ذهب إليه الأحناف .

والذي أراه وبالله التوفيق جواز الإقبال والتعامل مع هذه البنوك في شراء البيوت .

والدليل على ذلك هو الضرورة التي تجعل المسلم يتملك بيتاً ليستقر فيه مع أبنائه حتى يستطيع أن يتمكن من تربيتهم ويبعدهم عن الأحياء المضرة والمفسدة للشباب .

وإذا أقبل المسلم على مثل هذه القروض يبقى دائماً يعتقد بحرمة الربا ، إلا أن الضرورة ألجأته إلى مثل هذا التعامل .

وهذا الذي قلته ذهب إليه عدد من العلماء المعاصرين ، وفيهم من خرجه على مذهب الأحناف ، ومنهم من خرجه على المصلحة ، ومنهم من خرجه على الضرورة وهو الذي أرجحه وبالله التوفيق .

ويبقى الموضوع مطروحاً للحوار والنقاش ، وأعتقد أن فقه الضرورة يحتاج إلى إحياء وخاصة في جانب المعاملات من قبل علماء مقيمين في أوروبا أو من المترددين عليها ، العارفين بأوضاع الجالية الإسلامية ، لأن هذا الفقه سيرفع بإذن الله الحرج والمشقة التي تعاني منهما هذه الجالية يومياً .

والله أسأل أن يعصمنا من الزلل ، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

 

أنيس بن عبد الرحمن قرقاح

مدرس الفقه بالمعهد الأوروبي

وعضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث