نسخة وورد

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 


 

الفتاوى السهمية

 

في ابن تيمية

 

 

أجاب عنها جماعة من العلماء هم

 

الإمام المحقق المدقق شيخ الإسلام

تقي الدين الحصني الشافعي الدمشقي

 

وقاضي القضاة الإمام العلامة

نجم الدين أبو الفتوح عمر بن حجي

 

وقاضي القضاة الإمام العالم

برهان الدين ابن خطيب عذراء

 

ومعه

ختام الفتاوى السهمية للمحقق


 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة

 


 

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله خمن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

ونصلي ونسلم على خاتم الرسل والأنبياء والمبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

وبعد:

فقد تبين لنا أثناء تحقيقنا لكتاب » دفع شبه من شبه وتمرد «   للإمام تقي الدين الحصني ؛ أن لمؤلفه t فتوى مختصرة في ابن تيمية وآرائه ، قد يكون كتبها قبل هذا الكتاب .

وتابعه على هذه الفتوى وأيدها عالمان كبيران من أكابر فقهاء عصره كما سيتضح من ترجمتهما، وهما:

نجم الدين عمر بن حجي.

وأبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد المعروف بابن خطيب عذراء.

ويعنينا من أمرهما- مثلما فعلنا مع الإمام الحصني- :

أولا: اتصافهما بالأمانة والورع والمجاهرة بالحق.

وثانياً: العلم الراسخ والتحرّي ودقة الفهم.

والفتوى التالية للإمام الحصني وصاحبيه مسايرة لما ذكره في دفع الشبه في مضمونها ودلالاتها.

وزيادة في الفائدة فقد ألحقنا بالفتاوى السهمية بعض آراء العلماء في ابن تيمية ومنهم من صحبه فترة كالذهبي، حتى يتضح أن الإمام الحصني لم ينفرد بآرائه التي ذكرها فيه.

نسأل الله تعالى أن يرحمهم وينوّر مراقدهم ويعلي في الجنة منازلهم، إنه سميع مجيب.


 

وصف المخطوط

المخطوط الأول للفتوى، وسنرمز له بالرمز (م)

وهو الخاص بالفتوى الملحقة بنهاية الكتاب ويحمل اسم (الفتاوي السهمية في ابن تيمية) وهو من محفوظات مكتبة صاحب الفضيلة الإمام العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي رحمه الله بمجموعة  (33) دولاب (15) وقد تم تصويرها من معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.

ويقع في 11 لوحة كل منها صفحتان وخطها نسخي جميل ومسطرتها 23 سطر بمتوسط 10 كلمات في السطر وقد اعتبرناه أصلا للفتوى ورمزنا له بالرمز (م) وقد ذكر ناسخها أنه نقلها من خط المؤلف رحمه الله.

المخطوط الثاني للفتوى وسنرمز له بالرمز (ن)

وهو ضمن مجموع من ورقة (11) إلى ورقة (17) وهذا المجموع موجود في مكتبة حادي بشير أغا التابعة للمكتبة السليمانية ورقمه 142 ذكره بروكلمان في ذيل تاريخ الأدب العربي 2/112 وقد حصلنا على صورة له من مكتبة برلين بألمانيا وتتكون كل ورقة من عمودين كل عمود به 37 سطرا بكل سطر متوسط 7 كلمات بخط مقروء وقد رمزنا لها بالرمز (ن).

وذكر ناسخها أنه نقلها من خط من نقل من خط المؤلف أي أنه يوجد ناسخ بينه وبين المصنف رحمه الله وبملاحظة وجود بعض العبارات في النسخة الأولى (م) غير ثابتة في الثانية (ن) فهما من طريقان مختلفان.

وصلى الله وسلم وبارك على سيد الخلق نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


 


      هذا الرجل المسئول عنه في الاستفتاء كان عالما متعبداً، ولكنه ضلّ في مسائل عديدة عن الطريق المستقيم والمنهج القويم، لا جرم سجن بسجن الشرع الشريف بعد الترسيم وأفضى به إعجابه بنفسه إلى الجنوح إلى التجسيم الذي ابتدعه اليهود الذين أشركوا بالواحد الأحد المعبود.

وتغالى فيه أصحابه وأتباعه حتى قدموه على جميع الأئمة وعلى علماء الأمة ، وهجر مذهب الإمام أحمد الذي أتباعه بالإجماع أولى وأحمد، ورد عليه العلماء المحققون.

وسجنه حكام الشريع الأقدمون ونودي بدمشق أن لا ينظر أحدٌ في كلامه وكتبه وهرب كلٌّ من أتباعه ومَن هو على مذهبه واعتقاده.

والعجب كل العجب من جُهَّال حنابلة هذا الزمان يغضبون إذا قيل لهم: (أخطأ ابن تيمية)، وربما اعتقد بعضهم أن قائل ذلك ملحد، ولا يغضبون إذا قيل لهم: أخطأ الشافعي وأبو حنيفة ومالك والإمام أحمد.

اللهم اشهد أني برئ من كل مجسم ومشبه ومعطل وإباحي وحلولي واتحادي وزنديق وملحد ومن كل من خالف اعتقاد أهل السنة والجماعة.

وبرئ من كل من منع من زيارة قبر سيدنا رسول الله r ومن شد الرحل إليه ومن زيارة قبور الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين.

اللهم وإني أسألك وأتوسل إليك بسيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين والأولياء والصالحين أن تحييني على الإسلام وتميتني على الإيمان على اعتقاد أهل السنة والجماعة سالما من اعتقاد أهل الزيغ والضلال والبدع والإضلال.

ونفعنا والمسلمين ببركة سيدنا الشيخ [ الإمام ] الرباني المجيب عن هذا السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

كتبه عمر بن حجي الشافعي

وهو ثقتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيّدنا محمد سيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين([1]).

[ نص السؤال ]

ما تقول السادة العلماء أئمة الدين y أجمعين، في رجل يقال له أحمد بن تيمية الحراني سئل عن شد الرحال إلى زيارة قبر النبي r وإلى زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: » هو معصية بالإجماع، مقطوع « ([2]) بها ولا يجوز قصر الصلاة في هذا السفر.

وسئل عن الأحاديث الواردة في زيارة قبر رسول الله r كقوله » من زار قبري وجبت له شفاعتي « . فقال: كلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بل هي موضوعة لم يرو أحدٌ من أهل السنن المعتمدين شيئاً منها.

وأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله r ، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين.

فمن اعتقد ذلك قربة أو عبادة([3]) وفعلها فهو مخالف للسنة وإجماع([4]) الأمة « .

وسئل عمن توسل بغائب أو ميت ما حكمه؟ فقال: »من استغاث بميت أو غائب من البشر بحيث يدعوه في الشدائد و[ الكربات ] ([5]) ويطلب منه قضاء الحاجات، فيقول »يا سيدي الشيخ فلان أنا في حسبك أو في جوارك«. أو يقول عند هجوم العدو عليه: سيدي فلان أنا في حسبك أو في جَوارك [ أوْ يقول عند هجوم العدو » يا سيدي فلان «  يستوحيه أو يستغيث به ] ([6]) أو يقول نحو ذلك عند مرضه وفقره، وغير ذلك من حاجاته فهو ظالم [ ضال ] ([7]) مشرك عاصي لله تعالى باتفاق المسلمين؛ فإنهم متفقون على أن الميت لا يسأل ولا يدعى ولا يطلب منه شيء سواء كان نبياً أو شيخاً أو غير ذلك « .

والمسئول من الأئمة أن يذكروا لنا بعد ذلك ما وقع له مع العلماء الشاميين والمصريين؟ وأين مات؟ وما نودي عليه؟ أرشدونا إلى الحق المبين([8]) فقد فُتِنَ بابن تيمية خلق كثير باعتبار أنه محق وغيره مُبطل. وبينوا لنا وجه الصواب الذي نلقي الله تعالى به وهو راض عنا أثابكم الله تعالى وهداكم، آمين.

والحمد لله رب العالمين([9]) [2-أ ] .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فأجاب شيخنا وسيدنا ومولانا الإمام العارف الورع العابد الزاهد المحقق المدقق شيخ الإسلام ومفتي الأنام وعلم الأعلام الربّاني والصدر النوراني منقح الألفاظ ومحقق المعاني بحر العلوم والمبرز عن ذوي الفهوم داعي الخلق للحق الناصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بقية السلف وزين الخلف شافعي زمانه وسيبويه أوانه، القطب الكبير والغوث الشهير والعلم المنير والعلامة النحرير والمجتهد الخير، البحر الزاخر والسيف الباتر زبدة المتقدمين وعمدة المتأخرين، كعبة الزهاد ومفزع العباد وحجة الله على العباد، وصمصامة أهل الزيغ والفساد، رحلة وقته ووحيد عصره وفريد دهره، ونسيج وحده، جامع أشتات العلوم والفضائل، والقائم في نصر الحق بالبراهين والدلائل، قدوة أهل الأصول والفروع، وناثر فوائد المعقول والمسموع، الحسيب النسيب، والمتصل في الدين بالمصطفى الحبيب الشيخ: تقي الدين أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن سعيد بن داود بن قاسم بن علي بن علوي بن ناشيء بن جوهر بن علي بن أبي القاسم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن موسى بن يحيى بن علي الأصغر بن محمد التقي بن حسن العسكري بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب الحسني الشافعي الأشعري الحصني قدّس الله روحه ونوّر ضريحه وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه وضاعف له جزيل هباته وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركاته ونفعنا بعلومه الجمة وفوائده كما حلّى أجياد الدهر بقلائد فرائده آمين بجاه سيد الأولين والآخرين:

 


 

[ جواب الإمام تقي الدين الحصني]

[ أ- الزيارة: ]

الحمد لله مستحق الحمد. زيارة قبر سيد الأولين والآخرين محمد r وكرّم ومجّد من أفضل المساعي وأنجح القرب إلى رب العالمين، وهي سنة من سنن المسلمين ومجمع عليها [2-ب ] عند الموحدين، ولا يطعن فيها إلا من في قلبه خبث ومرض المنافقين وهو من أفراخ السامرة واليهود وأعداء الدين من المشركين.

ولم تزل هذه الأمة المحمدية على شد الرحال إليه([10]) على ممر الأزمان من جميع الأقطار والبلدان سواء في ذلك الزرافات والوحدان، والعلماء والمشايخ والكهول والشبان. حتى ظهر في طيز الزمان، في السنين الخداعة مبتدع من حران، لبّس على أتباع الدجال ومن شابههم من شين الأفهام والأذهان، وزخرف لهم من القول غروراً كما صنع إمامه الشيطان، فصدهم بتمويهه عن سبل أهل الإيمان، وأغواهم عن الصراط السوي إلى بُنيات الطريق ومدرجة الشيطان فهم بتزويقه في ظلمة الخطأ والإفك يعمهون، وعلى منوال بدعته  يهرعون، صم بكم عمي([11]) فهم لا يعقلون.

قال القاضي عيــاض في أشهر كتبه وهو ( الشفاء ) : » فصل في حكم [ زيارة ] ([12]) قبره عليه الصلاة والسلام وفضيلة من زاره وكيف يسلم عليه ويدعو: وزيارة قبره عليه الصلاة والسلام من سنن المسلمين مجمع([13]) عليها ومرغب فيها، روى([14]) عن ابن عمر t قال قال رسول الله r : ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ( .

وعن أنس بن مالك t قال قال رسول الله r ( من زارني محتسباً كان في جواري وكنت له شفيعاً يوم القيامة ) .

وفي حديث آخر (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ) انتهى.

 هذا لفظه بحروفه وكذا ذكر هبة الله في كتاب (توثيق عرى الإيمان) وهو كتاب نفيس مشتمل على تعظيم النبي r وهو من أجلاء العلماء وفضلائهم، فهذا نقل الإجماع على خلاف على ما نقله.

وأما غير هذين الإمامين ممن نقل الندب إلى زيارة قبره عليه الصلاة والسلام فخلق لا يحصون وأذكر نبذة يسيرة منهم إذ لو وسّعت الباع في ذلك لجاء([15]) مجلداً ضخماً، وسأذكر كلامهم مختصراً وإن كان في الطول فوائد لأن الغرض موضع الاستشهاد وبيان فجوره وقلب [3- أ ] حقائق الشريعة وهو كفر.

قال القاضي أبو الطيب من أصحاب الشافعي ومن أجلِّهم: »يستحب أن يزور قبر النبي r بعد أن يحج ويعتمر « .انتهي.

وكيف يزور من غير سفر سواء كان راكباً أو ماشياً ؟! وقال المحاملي في كتاب التجريد: » ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة شرفها الله تعالى أن يزور قبر النبي r « .انتهى.

وقال الحليمي في (المنهاج) عند ذكر تعظيم النبي r وذكر جملة ثم قال: »وهذا كان من الذين رزقوا مشاهدته وصحبته فأما([16]) اليوم فمن التعظيم بيان تعظيمه وزيارته« . انتهى.

وقال الماوردي في كتابه([17]) الحاوي :

أما زيارة قبر النبي r فمأمور بها ومندوب إليها . وقال في الأحكام                السلطانية في باب الولاية على الحج([18]) وذكر كلاما متعلقا بأمير الحاج ثم قال: فإذا قضى الناس الحج أمهلهم الأيام التي جرت عادتهم بها فإذا رجعوا سار بهم على طريق مدينة النبي r ليجمع لهم بين حج بيت الله عز وجل وزيارة قبر النبي r رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة وعبادات الحج المستحبة([19]) . انتهى. وقال الإمام الجليل المتفق على علمه ودينه وورعه وزهده الشيخ أبو إسحق الشيرازي: يستحب زيارة قبر النبي r .وذكر القاضي حسين نحوه. كذلك([20]) (الرّوياني) فقال: يستحب إذا فرغ من حجه أن يزور قبر النبي r.

ولا حاجة إلى الإطالة([21]) بذكر من قال بمثل ذلك من أصحاب الشافعي t مع كثرتهم ومن جملتهم : السيد الجليل أبو زكريا يحيى النووي قال في مناسكه وغيرها: فصل في زيارة قبر النبي r سواء كان ذلك طريقه أم([22]) لا فإن زيارته عليه الصلاة والسلام من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات. فهذه نصوص هذه الأئمة . فمن جعل المستحب والمندوب ونحوهما معصية فقد كفر قطعاً [ بل ] ([23]) من جعل المباح حراماً فضلاً عن المطلوب شرعاً لأنه قلب لحقائق الشريعة المطهرة .

وأتبرع بزيادة على ذلك ليتحقق فجوره وزندقته: فمن ذلك ما قاله [3-ب ] الأئمة الحنفية([24]) قدس الله تعالى أرواحهم أن زيارة قبر النبي r من أفضل المندوبات والمستحبات بل تقرب من درجة الواجبات وممن صرح منهم بذلك أبو منصور محمد الكرماني([25]) في مناسكه، ومنهم عبد الله بن محمود في (شرح المختار)، ومنهم أبو العباس السروجي فإنه قال: فإذا انصرف الحاج من مكة شرفها الله تعالى فليتوجهوا إلى طيبة مدينة رسول الله r وزيارة قبره الشريف فإنها من أنجح المساعي. ولا نطول بذكر من ذكر نحو ذلك من أئمة الحنفية y وعن إمامهم .

وأتبرع بزيادة على ذلك وأقتصر بعد استحضارك ما تقدم من قول القاضي عياض وغيره أن الإجماع على أن زيارة قبره عليه الصلاة والسلام سنة من سنن .

ومرغب([26]) المسلمين فيها. فأقول في كتاب (تهذيب الطالب) لعبد الحق الصقلي عن أبي عمران المالكي أن زيارة قبر النبي r واجبة وهو فقه([27]) حسنٍ لأن تعظيمه عليه أفضل الصلاة والسلام واجبٌ بالإجماع ومن جملة التعظيم الزيارة وشد الرحال([28]) وذلك من أظهر أنواع التعظيم .

وقال عبد الحق في هذا الكتاب: رأيت في بعض المسائل التي سئل عنها أبو محمد بن زيد([29]) قيل له في رجلٍ استؤجر بمالٍ ليحج به وشرطوا عليه الزيارة فلم يستطع تلك السنة أن يزور لعذر منعه. فقال: يرد من الأجرة بقدر مسافة تلك الزيارة.وفي كتاب (النوادر) لابن زيد فائدة أخرى، فإنه بعد أن حكى في زيارة القبور من كلام بن حبيب المجموعة([30]) عن مالك ومن كلام القرْطبي([31]) بإسكان الراء والطاء المهملة ثم قال عقبه: ويأتي قبور الشهداء بأحد ويسلم عليهم كما يسلم على قبر النبي([32]) r وعلى صحبه . وفي الكتاب المذكور: ويدل على التسليم على أهل القبور ما جاء في السنة في التسليم على النبي r وأبي بكر وعمر مقبورين .

قال العبدي المالكي في شرح الرسالة : أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي r أفضل من المشي إلى الكعبة [4-أ ] وبيت المقدس .

وهو فقهٌ حسنٌ لأن الموضع الذي ضمّ ذاته الشريفة أفضل بقاع الأرض بلا نزاع وبالإجماع وكلام أئمة المالكية y وعن إمامهم كثير ومطول .

وكذا الحنابلة الذين هم خلف الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عنهم: قال أبو الخطاب محفوظ الكلوماذي الحنبلي في كتابه الهداية في آخر باب صفة الحج استحب له زيارة قبره r وصاحبيه. وقال ابن أحمد الحنبلي في (الرعاية الكبرى): ويسنُ لمن فرغ من نسكه زيارة قبر النبي r وقبر صاحبيه رضي الله عنهما وذلك بعد فراغ حجه وإن شاء قبل([33]). وعقد الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه (مثير الغرام([34]) الساكن) باباً في زيارة قبره r ([35]) واستدل لذلك بحديث ابن عمر وأنس y. وأما ابن قدامة فذكر في المغني فصلاً في ذلك فقال: يستحب زيارة قبر النبي r . واستدل بحديث ابن عمر وأبي هريرة y . وقد اقتصرت لأنه اللائق بالفتاوى .

فهذه نقول ونصوص أئمة الدين من جميع المذاهب الذي مدار الإسلام عليهم وعلى أئمتهم فليت شعري دعواه هذه الخبيثة [ أن هذه معصية ] ([36]) من أين له ذلك ومن هم الذين عني عنهم الإجماع والقطع بذلك؟! قاتله الله تعالى([37]) وأتباعه الجهال الجمادات أنى يؤفكون وبأي وجه يلقونه عليه الصلاة والسلام في عرصات القيامة وله العظمة التامة آدم فمن دونه تحت لوائه والله أعلم.

وأما قوله أن الأحاديث في زيارة قبر النبي r فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث فهذا من البهتان والافتراء جريا على عادته في القدح في الشيء الذي لا غرض له فيه فإن الذين رووا أحاديث الزيارة من أعيان أئمة الحديث منهم الدارقطني والبيهقي والعقيلي وابن عساكر والبزار وابن عدي وأبو داود الطيالسي وابن خزيمة وأبو الفتح الأزدي وغيرهم من أئمة الحديث المشهورين بالحفظ والإتقان ومنهم الإمام العلامة أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن وألفاظ هذه الأحاديث مختلفة ويحصل من مجموع طرقها أنها بمنزلة الصحيح أو الحسن [4-ب ] ولفظ الحديث الذي ذكره ابن السكن »من جاءني زائراً لا يُعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة « .

وفي رواية » من جاءني زائراً لم ينزعه حاجة إلا زيارتي .. « .وهو من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ذكره في صحاحه ومقتضى قاعدته فيه وشرطه أن هذا الحديث صحيح قطعاً ورواه أيضاً الطبراني في معجمه الكبير والدراقطني في أماليه وغيرهم.

ثم أنه لم تخمد نار خبثه وطويته بقوله أنها كلها ضعيفة حتى أردفها([38]) بقوله أنها موضوعة . أي كذب [ كذبها ] ([39]) هؤلاء الأئمة على رسول الله r !! . فهذا شيء لم يقله أحدٌ قبله ولا في عصره لا من برٍ ولا فاجر وفي قوله (موضوعة)([40]) رمز إلى أن هؤلاء الأئمة كفار لأن من قاعدته أن من كذب على النبي r متعمداً فهو كافر ومن كفر أحداً من هذه الأئمة فهو الكافر.

وقوله (وأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين . ولا أمر بها رسول الله r ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة([41]) أو قربة وفعلها فهو مخالف للسنة وإجماع الأمة..)([42]) هذه عادته يأتي بمثل ذلك ليروج على أتباع([43]) الدجال وأصحاب الأذهان الجامدة، فقوله أن السفر إلى قبور الأنبياء عليهم السلام يشمل([44]) قبر إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام .

ما قبر إبراهيم عليه السلام فلم يزل الناس يزورونه بشد الرحل وغيره سلفاً وخلفاً من غير نكير بل يرون ذلك من أعظم المساعي وأنجح القرب. ولما عمل ابن قيم الجوزية مجلس وعظ في القدس الشريف وقال أن السفر إلى زيارة قبر الخليل معصية وها أنا أرجع من هنا ولا أزوره وقال في نابلس كذلك في زيارة قبر رسول الله r فأجمع المسلمون على كفره وأرادوا أن يضربوا عنقه فطلع إلى الصالحية بخفية([45]) واستسلمه محمد بن مسلم الحنبلي.

وهذا بلال مؤذن رسول الله r سار([46]) من الشام إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله r وممن ذكر ذلك الحافظ [5-أ ] بن عساكر وذكره الحافظ عبد الغني [المقدسي([47]) t ] في كتابه (الكمال) في ترجمة بلال t وقال فيه: ولم يؤذن لأحد بعد النبي r فيما روى إلا مرة واحدة في قدمةٍ قدمها المدينة لزيارة قبر النبي r طلب([48]) الصحابة رضي الله تعالى عنهم ذلك فأذن لهم ولم يتم([49]) الآذان وقيل أنه أذن لأبى بكر في خلافته.

وممن ذكر ذلك إمام الأئمة([50]) في الحديث أبو الحجاج الشهير بالمزي وسبب سفر بلال t لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام أنه رأى في منامه النبي r فقال له ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني([51]) يا بلال فانتبه من نومه حزينا وجلا خائفا فقعد على راحلته وأتى قبر رسول الله r فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنها إليه وجعل([52]) يضمهما ويقبلهما فقالا له يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كانت تؤذّن لرسول الله r في المسجد فعلا سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقفه فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها فلما قال أشهد أن محمداً رسول الله خرجن([53]) العواتق من خدورهن و[ قلن ] ([54]) بعث([55]) رسول الله r فما رؤى يوما أكثر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله r من ذلك اليوم .

فهذا بلال t من سادات الصحابة رضي الله عنهم قد شد رحله وسافر لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام وأعلم بذلك الحسن والحسين وطار ذلك في المدينة([56]) وكان في خلافة عمر t ولم ينكره أحد من الصحابة ولو كان السفر مخالفا للكتاب والسنة وإجماع الأمة لما سكتوا له([57]) لأنهم ينكرون الأشياء التي هي نذرة في الدين ولا سيما عمر بن الخطاب t .

وهذا عمر بن عبد العزيز t كان يبعث من يزوره من الشام ويبرد البريد لذلك ويقول لمن يرسله: (سلم على رسول الله r ) وممن ذكر ذلك القاضي عياض في أشهر كتبه وهو الشفاء وكذا الإمام هبة الله في كتابه توثيق عرى الإيمان وكذا الإمام العلامة بن الجوزي في كتابه [5-ب ] (مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن) وذكره غيرهم وكان ذلك في صدر التابعين ولم([58]) ينكر ذلك أحد.

ولم يزل أهل التوحيد المعظمين للأنبياء من العلماء وغيرهم يزورون الأنبياء في مشارق الأرض ومغاربها ويرون ذلك([59]) مما يترجون([60]) فيه الفضل والمغفرة والتقرب إلى الله عز وجل بزيارتهم حتى جاء هذا الزنديق يهدم عليهم ذلك لدسيسة في اعتقاده.

فمن تتبع كتبه المدخرة عند متبعيه رأى ذلك وغيره من الخبائث التي لو أظهروا بعضها لحرّقوهم فضلا عن ضرب رقابهم وفي صحيح مسلم من حديث بُريدة t أنه عليه الصلاة والسلام قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) زاد بن ماجه: (فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة)(1) وهو من رواية بن مسعود t وهو مطلق يشمل القريب والبعيد .

وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) رواه جماعة(2)  وصححه عبدالحق .

ورُوى أنه عليه الصلاة والسلام قال: أسرّ([61]) ما يكون الميت إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا) .

وفي حديث أخر: (ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده ، إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم) رواه ابن أبي الدنيا(3) [62]

ورواه ابن عبد البر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه ورواه عبد الحق الإشبيلي وصححه .

ففي زيارة القبور فضيلة للزائر والمزور والأحاديث في ذلك كثيرة جداً.

 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ومن يضلل الله أي ببدعته فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون والله أعلم .

 

 

 


 

[ ب التوسل والاستغاثة ]

وأما قوله » من استغاث بميت أو غائب من البشر بحيث يدعوه في الشدائد والكربات ويطلب منه قضاء الحاجات فيقول يا سيدي الشيخ فلان أنا في حسبك أو في جــوارك أو يقول عند هجوم العدو عليـــه سيدي فلان [ أنا في حسبك أو في جوارك أو يقول عند هجوم العدو يا سيدي فلان ]([63]) يستوحيه أو يستغيث به أو يقول نحو ذلك عند مرضه وسفره وغير ذلك من حاجاته فهو ظالم ضال مشرك عاصي لله تعالى باتفاق المسلمين فإنهم متفقون على أن الميت لا يسأل ولا يدعى [6-أ ] ولا يطلب منه سواء كان شيخاً أو نبياً أو غير ذلك « .

وأنت أرشدك الله تعالى إذا تأملت هذا الكلام اقشّعر جلدك وقضيت العجب مما فيه من الخبائث والفجور وما فيه من ادعاء اتفاق المسلمين(1) وما فيه من الرمز إلى الزندقة وتكفير الأنبياء عليهم الصلاة السلام وغيرهم. فقوله (سواء كان شيخا أو نبيا) قال الإمام أبو الحسن السبكي: (هذا كفر بيقين لأنه حطّ رتبة الأنبياء عليهم السلام وسّوى([64]) بينهم وبين غيرهم) وصدق وأحسن في هذا المأخذ اللطيف لأنه([65]) من حط رتبة نبي مما([66]) يجب له كفر بلا نزاع وفي قوله: (شيخاً كان أو نبيا) عثرة عظيمة وهو أن آدم عليه السـلام ضال مشرك لتوسله بالنبي r وكذا موســــى عليه الصلاة والسلام [ فإنه ] ([67]) لما قحط بنو إسرائيل فاستسقى لهم مراراً فلم يُسقوا فقال: (يا رب إن خَلُقَ جاهي عندك فأسألك بجاه محمد r عندك إلا ما سقيتنا) إلى ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في([68]) (اللفظ الرائق).

وأما توسل آدم عليه السلام فمشهور([69]) جدًا فمن ذلك ما حكاه أبو محمد مكي وأبو الليث السمرقندي وغيرهما أن آدم عليه السلام عند اقترافه قال (اللهم بحق محمد عليك اغفر لي ويروى فقيل، فقال الله عز وجل: من أين عرفت محمداً؟

قال رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويروى محمد عبدي ورسولي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب الله عليه وغفر له) وهذا عند قائله تأويل قوله تعالى » فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه « أي تجاوز عنه وفي رواية الحافظ الآجري (فقال آدم عليه السلام لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظمَ قدراً عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى الله عز وجل إليه وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك) وخرّج الحاكم في مستدركه على الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال (لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك [6-ب ] ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تُضِفْ إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلىّ وإذ سألتني بحقه قد غفرت لك ولو لا محمد ما خلقتك) قال الحاكم صحيح الإسناد ورواه الطبراني أيضاً وزاد (وهو آخر الأنبياء من ذريتك) توسلت يا ربي إليك بحقه لتغفر زلاتي وتقبل توبتي.

ولما ناظر أبو جعفر المنصور مالكا في مسجد رسول الله r فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله عز وجل أدب قوما فقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي « ومدح قوما فقال » إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله «  الآية وذم أقواما فقال } إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون {  الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله r؟ فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم. إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به يشفعك الله قال الله تعالى }ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاوك { الآية. كذا ذكر هذه القصة القاضي عياض في أشهر كتبه وهو (الشفاء) ساقها بسنده وممن ساق هذه القصة الإمام العلامة هبة الله في كتابه (توثيق عرى الإيمان) وذكرها غيرهما وهي قصة مشهورة ولم يطعن فيها أحد إلا هذا الخبيث الطوية وهذا شأنه إذا جاء إلى شيء لا غرض له يطعن فيه ولا عليه من الله ولا من غيره كما طعن في رواة الأحاديث في الزيارة كما تقدم وقد تتبعت مواضع مما فيها تعظيم النبي r فلم أجده يَلْوِي عليها بل ولا يذكرها ألبتة، أو يطعن فيها!!(1) وهذا يدل على أن في قلبه ضغينة لهذا السيد الكريم([70]) الممجد المعظم قال القاضي عياض في كتابه الشفاء الفصل الثاني في حرمته بعد وفاته: » وأما حرمة النبي r وتوقيره وتعظيمه فهو لازم كما كان في حياته وذلك عند ذكره عليه الصلاة السلام وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه [7-أ ] وسيرته ومعاملته آله وتعظيم أهل بيته وصحابته واجب على كل مؤمن متى ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر [ ويسكن ] ([71]) من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذه بعينه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به انتهى.

وقال جبريل عليه السلام (قلبّت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد أكرم على الله عز وجل من محمد) وقال بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى »لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون « : (ما خلق الله تعالى نفسا أكرم عليه من محمد وما أقسم الله تعالى بحياة أحد إلا بحياته) قيل أقسم الله عز وجل في الأزل بحياته ليظهر شرفه وعلو قدره وسنوّ([72]) مرتبته ليتوسل المتوسلون به إليه قبل بروزه إلى الوجود وبعد وجوده وفي حياته وبعد وفاته وفي عرصات القيامة.

وهذا وغيره لم يزل أهل الإيمان يتوسلون به في حياته وبعد وفاته من غير نكير بل أهل الذمة من أهل الكتاب كانوا يتوسلوا به r قبل وجوده فيستجاب لهم كما قال تعالى }وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا{ الآية وقال ابن عباس رضي الله عنهما (كانت أهل خيبر تقاتل غطفان كلما التقوا هزمت غطفان يهود فعاذت يهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق هذا النبي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم وكانوا([73]) إذا التقوا ودعوا بهذا الدعاء فتهزم يهود غطفان فلما بعث النبي r كفروا به فأنزل الله عز وجلّ } وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا{  أي يدعون بك يا محمد إلى قوله تعالى } فلعنة الله على الكافرين { .

وإذا كان عز وجل يستجيب لأعدائه بالتوسل به إليه مع علمه عز وجل بأنهم يكفرون به ويؤذونه ولا يتبعون النور الذي أنزل معه قبل بروزه إلى الوجود فما الظن بمن يؤمنون به ويعزرونه أي يعظمونه ويوقرونه ويكرمونه ويتبعون النور الذي أنزل معه وهو القرآن العظيم مع بروزه إلى الوجود وإرساله رحمة للعالمين وإذا كان رحمة للعالمين فكيف لا [7-ب ] يُتوسل به ويستشفع به وهو الشافع([74]) المشفع، فمن أنكر التوسل به والتشفع به بعد وفاته فقد أعلم الناس ونادى على نفسه أنه أسوأ حالا من اليهود الذين توسلوا به قبل بروزه إلى الوجود وأن في قلبه نزغة([75]) هي أخبث النزغات([76]) ومن قال بأن جاهه زال بموته فلا يقال: يا جاه محمد يا جاه رسول الله يا جاه المصطفى ونحو ذلك فهو من أعظم الزنادقة على أنواع فرقها وجاحد للربوبية فإن جاهه هو الله عز وجل فكأن هذا القائل يقول: لا تقولواْ يا الله وهو كفر محقق ومخالفة([77]) لما عليه هذه الأمة في جميع الأزمان في سائر الأقطار والبلدان وهي نزغة([78]) حاكمية حكمية فنسأل الله تعالى [ العافية] ([79]) من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن .


 

[ حـ : محاكمة ابن تيمية وسجنه ]

وما ذكر المستفتي من أن نذكر([80]) لهم ما وقع لابن تيمية مع علماء الشاميين والمصريين([81]) وأين مات وما نودى [ عليه ] ([82]) فقد، ذكر أهل التواريخ([83]) ومنهم صاحب عيون([84]) التواريخ محمد بن شاكر أن([85]) في سنة خمس وسبعمائة عُقد مجلس بالفقهاء والقضاة لأجل ابن تيمية بحضرة نائب السلطان بدمشق بالقصر الأبلق فُسئل ابن تيمية عن عقيدته فأملى شيئاً منها ثم أحضرت عقيدته([86]) الواسطية وقرئت في المجلس ووقع بحوث كثيرة وبقى [ 6/أ ] مواضع أخر إلى مجلس ثاني .

ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشر شهر([87]) رجب وأحضر([88]) ابن تيمية وحضر المجلس صفي الدين الهندي وبحثوا معه وسألوه عن مواضع ثم اتفقوا([89]) على أن تكون المناظرة بين ابن تيمية وبين كمال الدين بن الزملكان([90]) فألزمه ابن الزملكان ببعض كلامه فعلم ابن تيمية أنه إن بحث وقع تحت الخطر وترتب محظور عظيم فأشهد على نفسه في المجلس أنه يعتقد ما يعتقده الشافعي t وأنه شافعي المذهب فرضوا منه بذلك وانصرفوا ثم إن أتباع([91]) ابن تيمية أشاعوا أن الحق ظهر مع شيخنا([92]) فأحضر القاضي جلال الدين القزويني واحدًا منهم وصفعه ورسم بتعزيره وكذا الحنفي فعل باثنين وجرت([93]) أمور لا نطول بذكرها .

ثم ورد كتاب من مصر/ بتجهيز القاضي ابن صصري وإحضار ابن تيمية فبادر النائب إلى ذلك.

وفي سابع شوال دخل([94]) بريدي إلى دمشق وأخبر بوصلهما إلى القاهرة وأنه عقد مجلس بقلعة الجبل بالقاهرة([95]) وحضر القضاة والعلماء والأمراء فتكلم شمس الدين بن عدلان([96]) الشافعي وادعى دعوى شرعية على ابن تيمية في أمر العقيدة وذكر منها فصولا فقام ابن تيمية وحمد الله تعالى وأراد أن يتكلم فمنعوه وقالوا أنت في دعوى أجب عنها فأعاد ذكر الخطبة فمنعوه وقالوا هذا الذي تقول نعرفه أجب فلم يفعل وكرروا عليه القول فلم يزدهم على إعادة أن يريد أن يخطب وطال الأمر على الدولة فحكم القاضي المالكي بحبسه وحبس أخويه معه عبد الله وعبد الرحمن في برج من أبراج القلعة قلعة الجبل فتردد إليه جماعة من الأمراء فبلغ ذلك القاضي فاجتمع بالأمراء وعاتبهم في ذلك وقال يجب التضييق عليه إذا لم يقتل وإلا فقد وجب قتله وثبت كفره ثم نقلوه إلى جُبِّ البرج ثم في ست وسبعمائة وصل الأمير حسام الدين إلى القاهرة واجتمع بالسلطان فأكرمه وخلع عليه وزاد في إكرامه فخاطب السلطان في ابن تيمية فأجابه فحضر حسام الدين بنفسه إلى الجب وأخرجه فلما سمع الشيخ ابن عطاء وشيخ الخانقاه بذلك [ اجتمعا] واجتمع معهما من الصوفية أكثر من خمسمائة نفس وطلعوا إلى القلعة وانضاف [ 6-ب ] إليهم خلق كثير فلما رأتهم الدولة قالوا لهم ما([97]) مرادكم فقالوا ابن تيمية يتكلم في مشايخ الصوفية([98]) وأنه وقع في أمر عظيم من جهة الجناب الرفيع وأنه لا يستغاث به وسألوا أن يعقد لهم وله مجلس فردوا الأمر إلى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ففوضه إلى المالكي الزواوي فرده إلى الحبس ثم بعد ذلك أرسلوه إلى الإسكندرية([99]) فحبس في برج شرقي الإسكندرية ثم لم يزل ينقل من حبس إلى حبس وآخر ما حبس في قلعة دمشق ووصل القاضي ابن صصري وجلس [ يوم الجمعة ] ([100]) في الشباك الكمالي وحضر القراء والمنشدون وكان قد وصل معه كتب لم يعرضها على نائب/ السلطنة فلما كان بعد أيام عرضها عليه فرسم له بقراءتها والعمل بما فيها امتثالا للمراسيم السلطانية وكانوا قد بيّتوا على جميع الحنابلة بأن يحضروا إلى مقصورة([101]) الخطابة بعد الصلاة فلما كان بعد الصلاة حضر القضاة والأمراء والفقهاء وخلق كثير فقرئ المرسوم وفيه ما يتعلق بمخالفة ما يعتقده ابن تيمية وإلزام الناس بذلك خصوصا الحنابلة مع التوعد الشديد عليهم والعزل من المناصب والحبس وأخذ المال والروح وفي الكتاب إفتاء الأئمة الأربعة بكفره وفي الكتاب كلام كثير .

ثم نودي على رؤوس الأشهاد من كان على عقيدة ابن تيمية فليجدد الإسلام وأشاعوا ذلك خوفا على العامة من([102]) أن يكونوا على عقيدته فيلقوا الله تعالى على غير دين أهل التوحيد لما تضمنته كتبه من التشبيه والتجسيم والازدراء بالأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأرادوا أن يضربوا عنقه فقال لهم المالكي بلغني أن أهل الذمة شنعوا على علماء المسلمين وقالوا للعوام [ انظروا ] (