نسخة وورد

 

 

 

التَّصْر يح

بنقد كتاب "نحو الإسلام الصحيح"

 

حرَّره

بلال النجار

 

شارك في إعداد مباحثه الأساتذة:

محمود الحياري

محمد مصطفى أمين

أيمن البدارين

 

P

فكرة الكتاب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد يسر الله لي أن ألتحق بحلقة درسٍ لأستاذي الشيخ سعيد عبد اللطيف فودة وفقه الله تعالى، التي درّس فيها في نحو سنة كتاب شرح مطالع الأنظار لأبي الثناء شمس الدين بن محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني المتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، على متن طوالع الأنوار للقاضي الإمام عبد الله بن عمر البيضاوي المتوفى سنة خمس وثمانين وستمائة. رحمهما الله تعالى، ونفع المسلمين بعلومهما آمين. وقد اجتمع إليه في مجلسه ذاك نحو عشرة من طلابه. وكان من عادة شيخنا قبل الدرس وبعده أن يفسح لنا المجال لمناقشة بعض ما يقع لنا من مسائل سواء ما تعلق منها بكتاب الدرس، أو التي قد تطرأ على أذهاننا من طريق اطلاعاتنا الشخصية، فضلاً عن مباحثاته معنا في أثناء الدرس لتعميق فهمنا للمسائل، وكانت هذه طريقته التي تميز بها ودأب عليها. وما أحسن ما تفتقت عنه القرائح في أمثال تلك المناقشات. فمما أثمرته وأذكره الآن، رسالة لطيفة في بيان أصول مذهب وحدة الوجود وبعض لوازمه الفاسدة، وكيف تتنافى مع مذهب أهل السنة والجماعة، كتبها الأستاذ أحمد حرب، وعدداً من الرسائل في نقد آراء الشيعة الإمامية والرد عليهم في مسائل أصلية. ثم اتفقنا على إعادة نشر كتاب درْسنا في صورة تليق بقدر هذا الكتاب العظيم، وقد أنجزنا بحمد الله جزءاً كبيراً من هذا العمل، وأسأل الله أن يمن علينا بإتمامه. ولقد أثمر غير ذلك مما لا يحضرني في وقتي.

وحدث في إحدى المرات أن أطلعنا الأستاذ محمود الحياري على كتابٍ عنوانه "نحو الإسلام الصحيح" وصفه مؤلفه مروان خليفات بأنه خلاصة كتابه "وركبت السفينة" الذي حكى فيه قصة انتقاله من مذهب أهل السنة والجماعة إلى مذهب الشيعة الإمامية.

وكان مما ورد في كتابه أنه اتهم سيدنا عمر رضي الله عنه بأنه خالف أمر رسول الله r بمنعه أصحابه من كتابة وصيته، في الحديث المشهور حين حضرته الوفاة، كما سيأتي. فطلب الشيخ من الأستاذين محمود الحياري وأيمن البدارين أن يكتبا رداً على ذلك الاتهام، نصرة وإظهاراً للحق، ففعلا. ولاطلاع محمود على مذهب الشيعة، واشتغاله الدائم بتحقيق مذهبهم والبحث في أصولهم، واستقصائه للشبه التي يكيلونها لأهل السنة، بقي يحفزنا على كتابة رد ولو مختصر على جملة ما ورد في كتاب مروان خليفات، سداً لواجب الرد على المبطلين، بصرف النظر عن قيمة أو أثر ما يكتبون، وسأل الشيخ في ذلك، فطلب إلينا أن نكتب ما يتيسر لنا من رد، وننشر ذلك في كتاب، ودعا من يستطيع أن يشارك إلى أن يفعل نظراً لكثرة انشغالنا جميعاً. وهذه هي فكرة وأصل هذا الكتاب. فلقد جمعت ما توفر لدي من مشاركاتهم وحررتها، ورتبتها على نسق واحد، كي لا يختلف أسلوب الكتابة على القارئ، ونبهت على مواضع مشاركات المشاركين. ثم ختمت الكتاب برسالة جمع فيها الأستاذ محمود جملة مما توفر لديه من أقوال الشيعة الإمامية قديمها وحديثها في تحريف كتاب الله عز وجل، على حد زعمهم. والله سبحانه وتعالى المسؤول أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعله فاتحة لكتب أخرى تبحث في نقد أصول الإمامية، على طريقة المتكلمين من أهل السنة والجماعة. والحمد لله رب العالمين.

                                                       بلال النجار في 19 /3 / 2003


 

m

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، فقد زعم مروان خليفات، بأن كتابه الأصل "وركبت السفينة"، كان محاولة منه للوصول إلى منظومة الأفكار التي تعبر عن الإسلام الصحيح. فنهج للوصول إلى هذا الإسلام الصحيح الذي هو عنده مذهب الشيعة الإمامية، طريقة تعرض لثلاثة مذاهب: الأشعرية، والسلفية، والشيعة الإمامية، وتناقشها وتخلص للمذهب الحق منها.

أما كتابه نحو الإسلام الصحيح فقد قصر الحديث فيه على المفاضلة بين الأشعرية والإمامية رغبة منه في الاختصار، وحسناً فعل هنا بعد أن أساء هناك؛ لأن السلفية ما كانت لتعبر عن مذهب أهل السنة والجماعة بأي حال من الأحوال. وإن مناقشة المخالف لمذهب السلفية في مقام الرد على أهل السنة على أساس من تمثيل السلفية لمذهب أهل السنة جناية على الدين، وعمل لا يخلو إما أن يعبر عن جهل المخالف بمذهب أهل السنة، أو إرادته تشويهه. وأنا أنسب للكاتب الأمرين.

ولك أن تستدل بجملة ما وضع مروان في كتابه عن أهل السنة لتتبيّن ما أقول. فانظر مثلاً، في قوله في حاشية كتابه: "ينبغي الالتفات إلى أن لقب أهل السنة والجماعة أعم من الأشاعرة، فيدخل فيهم الماتريدية، والظاهرية، والحشوية أصحاب الحديث. فإطلاقنا هذا اللقب على الأشاعرة من باب المجاراة لهم في إطلاقهم للَّقب على أنفسهم". اهـ.

فأقول: إن أهل السنة والجماعة معروفٌ من هم عنده، ولا يدخل فيهم الحشوية قطعاً، لأن التشبيه والتجسيم ليس من مذهب أهل السنة في شيء. كما ينبغي التنبيه على أنه لا يجوز إطلاق القول بأن الحشوية أصحاب الحديث لأن بعض أصحاب الحديث من الحشوية، وليس كل من اشتغل بالحديث حشوياً. وإن كان الكاتب لا يدري من هم أهل السنة، فلماذا يهتم بجعل الكلام مع الأشعرية هنا. وإن كان المعتبر في إطلاق أهل السنة والجماعة قول كل من ادعى أنه منهم، فإنكم أيها الإمامية تقولون بأنكم أنتم أهل السنة والجماعة حقاً، مع أن أحداً لا يوافقكم على ذلك. ثم إنك أيها الكاتب تقول: "لقد اتهم الشيعة بأنهم يقولون بألوهية الأئمة وما شابه، والحق أن هذه الأقوال هي لبعض الفرق الغالية، ولكنها نسبت للإمامية جهلاً أو تجاهلاً، والإمامية تبعاً لآل البيت تبرّأوا من هذه الأقوال، وكفروا قائليها". اهـ.

فإذا جاز للإمامية أن تدخل من تشاء تحت اسمها وتخرج من تشاء بناء على معرفتها بأقوالها وتبرئها من أقوال غيرها وعدم الالتفات لقول من يحاول إدخال نفسه تحت اسمهم أو قول من يحاول إدخال غيرهم فيهم، فلم لم تقبل قول الأشعرية: بأن أهل السنة والجماعة إنما هم الأشعرية والماتريدية؟

 

ولقد نثر الكتاب في كاتبه شبهاً وتشكيكات بدعوى نصحه للدين ولعامة المسلمين، وهي دعوى سرعان ما يظهر زيفها لكل عاقل، لأنها تفتقر إلى الإنصاف والموضوعية، وتنأى عن التحقيق. ويكفي القارئ العادي أن يقرأ طرفاً من كتابه المختصر أو كتابه الأصل ليعلم ذلك. فإن ما أودعه خليفات في كتابه لا يعدو كونه شبهاً قد فرغ من بحثها والإجابة عنها علماء أهل السنة، ولو أن الكاتب بحث عن إجابة هذه الشبه في كتبهم –كما يدعي- لما جعل من نفسه ضحكة بذكرها. ولوجد أن متكلمي أهل السنة يفهمون مذهب الإمامية ولوازمه القريبة والبعيدة، أكثر مما يفهمه الإمامية أنفسهم، ويحللونه ويعرضون أقوالهم في أقوى صورة بل ربما يخترعون لهم الأدلة، ثم إنهم ينسفون مذهبهم نسفاً.

وكنت أتمنى أن يكون الكاتب ذا قدرة نظرية أكبر ليكون في مستوى يؤهله من أن يكون نداً لقوة متكلمي أهل السنة، فإن كلامه واهٍ لا قيمة له في عامة الكتابين، وبخاصة حين يناقش مسألتين عقديتين لأهل السنة ألا وهما إمكان تكليف الله سبحانه وتعالى العبد بما لا يطاق؛ وأنه لا يجب على الله تعالى شيء، فإن شاء عذب المؤمن ونعّم الكافر، وهو إنما يثيب من يثيبه تفضلاً منه سبحانه وتعالى ومنّاً، ويعذب من يعذبه عدلاً. وسيأتي بحث هاتين المسألتين بتفصيل حين نبلغهما إن شاء الله تعالى.

ويظهر من خلال قراءة الكتاب، أن مؤلفه غير راسخ القدم في الفنون التي تطرق إليها، لا حين حاول أن يهدي صديقه الشيعيّ –كما يروي في قصته- إذ تزعزعت ثقته بنفسه وانهار أمام أول شبهة أوردها عليه صديقه، ولا في أثناء بحثه عن أيهما الأحق بالاتباع مذهب السنة أم مذهب الإمامية، إذ لم يحسن البحث، ولم يلتزم بقواعد النظر الصحيح، ولا أراه راسخاً الآن وبعد أن فرغ من البحث وانتهى إلى أن الحق الأحق بالاتباع إنما هو عند الإمامية، فألّف هذا الكتاب الذي وضع فيه خلاصة أفكاره. وسنبين ذلك في أثناء مناقشاتنا للشبه ولكلام الكاتب إن شاء الله تعالى.

وأقول: ما كنّا لنتكلف عناء الرد على هذا المُهَوِّش لولا انتشار هذه الشبه في بعض الأوساط، حيث يوجد العوام والسذج وبعض المشتغلين بالعلوم الشرعية ممن لم يحقق بعدُ أصول أهل السنة، فيستميلهم المتحمسون لمذهب الإمامية بمغالطات وكلام خطابي لا قيمة له عند أهل النظر. فلهم ولكل امرئ يريد أن يعرف مذهب أهل السنة كما هو منقول عنهم لا كما يصوّره كلّ من شاء كيف يشاء، أقدمنا على إعداد هذه البحوث.

ثم لعمري حين ترى أمثال هذا الكاتب يتصدون للتشكيك في مذهب أهل السنة، فإنها هزلت. فأسفي على ضعف علماء أهل السنة، هذا الضعف الذي ليس أدلّ عليه من انتشار مثل هذه الكتب والتشكيكات سواء هذه التي يتشدق بها الإمامية أو تلك التي يتناقلها السلفية؛ فلأيّ أمر تثار هذه الشبه من الأولين، ولأي شيء تثار شواذ المسائل من الآخرين، ولمصلحة من؟!

إن الدعوى دائماً هي الحرص على الدين، والبحث عن الحق وأمثال ذلك من الشعارات التي لا نجدهم يتمثلون روحها ولا عالي معانيها ! فحقاً أسفي على العلماء الذين ضعفوا وأضعفوا هذا الدين بضعفهم، فانتشرت عجائب المذاهب، وسمح لكل من هبّ ودبّ أن يتلاعب بالشريعة الغراء وبعقول المسلمين، باسم الاجتهاد ونبذ التقليد، وأن يشنع على من زينهم الله سبحانه وتعالى بفقه دينه وحمل العلم الذي هو ميراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وينتقص ممن رفعهم الله تعالى فوق الناس درجات وأعلى ذكرهم، وأذن بالدعاء لهم في كل وقت وحين، رحمهم الله أجمعين. أسفي على المنتسبين إلى أهل السنة الداعين إلى التقريب بيين المذاهب، على غير أسس سليمة. أهذه هي دعوة التقريب أيها المتملقون الضعفاء، أي أساس هذا الذي يستند إليه التقريب حين نقابل أكابرهم بالاحترام والتقدير ونحتاط في الحكم عليهم، وهم يخوضون في صحابة رسول الله r، وفي علمائنا وأكابرنا ومعتقداتنا وأعظم كتبنا، ولا يرقبون في أحد من أهل السنة إلاً ولا ذمة. إن كل دعوة تسعى إلى التقريب بين أهل السنة والشيعة مع الإبقاء على أصول الدين عند الطرفين على حالها هي دعوة ساذجة وحالمة وجاهلة عند إحسان الظن بها؛ فإن هذين المذهبين يختلفان اختلافاً شديداً في أصول الدين، وبناء على هذا الاختلاف الأصلي انبنت اختلافات فرعية لا حصر لها. وأقول إنه لمن السذاجة أو التساذج تصوير الاختلاف بينهما بكلام مائع مداهن عن الاختلاف في صفة الصلاة أو مصارف الزكاة أو ألفاظ الأذان وأوقاته ومناسك الحج، وأوقات الفطر والصيام وغير ذلك من الأمور الفرعية من حيث هي فرعية. وإننا إن كنا سنعرض لفساد بعض ما يقول به الشيعة من الفروع في هذا البحث، فإنما هو من باب المشاكلة للكاتب الذي شنع في كتابيه على أهل السنة أيما تشنيع، وليس لأن ذلك مقصود بالذات؛ لأنا لا نقدّم الفرع على الأصل ولا المهم على الأهم، وخلافنا مع الإمامية ليس في الفروع بل في الأصول. وليعلم خليفات أننا نتقن التشنيع أكثر مما يرقى إليه خياله، لا سيما مع وجود هذا القدر الهائل من العجائب في كتب الشيعة المعتمدة والتي حقها أن تدرج في كتب كألف ليلة وليلة لا أن تكون في صحاح حديثية؛ كما يسهل علينا أن نطرز كتبنا بعلامات التعجب والاستفهام والديباجات الخطابية الجوفاء، ولكننا نترفع بأنفسنا عن مشاكلته في ذلك. فإن أردت أن ترد علينا أو تناظر لإثبات مذهبك أو أن تتباحث معنا في أصولنا أو أصولكم أنت أو من هو أعلم منك من مشايخك فإن ذلك مما يسعدنا. بل إننا نتمنى على المخالف أن ينبري ليناقشنا ونرجو الله أن ييسر لنا لقاء كل مخالف لأهل السنة للتباحث معه. ولكننا، وللأسف، لا نرى إلا أناساً يخفون رؤوسهم كالنّعام، وإذا أمسكت بواحد لتناقشه فإنه إما أن يدعي أنه ليس أهلاً للبحث والمناظرة وأن هنالك من هو أعلم منه، أو أنه يتفلت منك كأنك عقلته وهو الوحشيّ، فيتذرع بتورعه عن الخصومة والجدل وأمثال ذلك مما لا يَفهم معناه ولا محل النهي عنه، ولا يتورع عنه حين يخلو له الجو ليحلق فيه حراً فوق رؤوس المعجبين بفنونه والمبهورين بقدراته ممن لم يمارسوا قط تحليق النسور. فأين هم علماء الشيعة؟ وأين هم علماء السلفية؟ وأين هم علماء أي فرقة تخالف أهل السنة (الأشعرية والماتريدية)؟

 

ومهما يكن من أمر، والحال لا تخفى على لبيب، فلقد عمدنا إلى رد أهم الشبه التي تناولها خليفات، وقد نعارضها بما هو عند الإمامية مما يعسر تقريره وإيجاد وجه يحمل عليه على مذهبهم، أو نلزمهم بنفس لوازم الشبه التي يوردونها علينا، أو بتناقضهم وتهافت أقوالهم. ولا نخص خليفات بالرد، بل الكلام عام يجيب على الشبه التي أثارها بصرف النظر عن المتفيهقين بها. فالمراد بيان مذهب أهل السنة في هذه المسائل ورد تلك الشبه، رغبة في إعلاء الحق، وطلباً لمرضاة الله سبحانه وتعالى. ولقد التزمنا طريقة واحدة في الكتاب أنا لا نأتي بنص من كتب أهل السنة للاستشهاد به إلا أن يكون من الكتب التي نقل منها الكاتب نصوصاً للاستشهاد، ولم نحتج عليه فيما نسبناه للإمامية إلا بنص من كتب الإمامية أنفسهم، مبالغة منا في إثبات أقوالنا وإجوبتنا. وكما دعا الكاتب بأن ينفع الله ببحثه المسلمين في كل مكان، فإننا ندعو له ولنا ولأئمة المسلمين وعامتهم بالتوفيق لما يحب ويرضى، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين.

 

 

مناقشة لبعض ما مهد له الكاتب

يقول الكاتب في عرضه لقصة تحوّله إلى مذهب الشيعة، إن صديقه أعطاه كتابَ (ثم اهتديت) للتيجاني ليتحقق من حادثة رزية الخميس، فاندهش لما يقرأ وانهارت طموحاته، وحاول إقناع نفسه بأن هذه الحقائق ليست موجودة في كتب أهل السنة. هذا كله من عبارته. وفي اليوم التالي بدأ بتوثيق نصوص كتاب التيجاني فوجدها مثبتة في صحيحي البخاري ومسلم بعدة طرق. وعليه يقول: "كان أمامي احتمالان: إما أن أوافق عمر على قوله، فيكون النبي يهجر –والعياذ بالله- وبهذا أدفع التهمة عن عمر. وإما أن أدافع عن النبي وأقر بأنّ بعض الصحابة بقيادة عمر ارتكبوا خطأ جسيماً بحق النبي r حتى طردهم. وهنا أتنازل عن معتقدات طالما رددتها وافتخرت بها أمامه". اهـ.

ولنتأمل هذا الكلام. إن الكاتب لم يذكر عدة الطرق التي وجدها في الصحيحين، فضلاً عن قول الشراح في هذه الروايات ومناقشة النصوص أصولياً؛ إنه يتكلم مجرد كلام في الهواء دون الاستدلال عليه بشيء؛ ودرج على ذلك في عامة الكتاب، كمن لا يسلم لك شيئاً مما تقول ولا يأتي بدليل واحد ينقض به شيئاً من قولك. وهذا الأسلوب من إطلاق الأحكام جزافاً دون تدعيمها بالأدلة ليس من طريقة أهل العلم في شيء. وسيأتي الإجابة عليه عند جواب الشبهة الأولى. أما هذا التيجاني الذي ينقل عنه الكاتب ويعده في كتابه من علماء أهل السنة الذين تشيعوا، فأهل السنة منه براء إذ لم يسمع به أحد قبل أن يعتبر نفسه من علمائهم المحققين. فكان هذا المستوى من الكتب والكتّاب هو الذين تأثر به كاتبنا وقدمه على كتب أئمة أهل السنة.

أما الاحتمالان المذكوران في كلامه، فإن سلم انحصار دلالات الروايات فيما وصف، وسلم من قبل ثبوتها بالألفاظ التي ذكرها، ولا يسلم له ذلك، فإن كان المراد اتهام عمر الفاروق بتهمةٍ انتقل الكلام لإثبات أو نفي هذه التهمة عنه، وإن كان الكلام في أن في هذه الحادثة من أي طريق من طرق الرواية وردت دلالة على إمامة سيدنا علي كرم الله وجهه، أو إثبات الإمامة بالنص فهذا لا يتمّ له بهذه الروايات ولا بغيرها. ثم ما هي هذه المعتقدات التي طالما رددها وافتخر بها الكاتب أمام صديقه الشيعي، ثم تنازل عنها لما علم مخالفة بعض الصحابة لأمر النبي r على فرض وقوعه، لم لم يحددها على الأقل لنعلمها، ولا نقول يبين انبناء طرحها على العلم بالمخالفة. ولقد نقل في الأخبار وقوع مخالفة بعض الصحابة لرسول الله r، كنزول الرماة عن الجبل يوم أحد، وامتناع سيدنا علي t عن أن يمحو كلمة رسول الله يوم الحديبية، وعدم صلاة العصر في بني قريظة كما سيأتي، فلم لم تتنازل عن اعتقادات طالما افتخرت بها إلا عند هذه المخالفة. وإنما الكلام في إثبات أصل من أصول الشيعة، أو هدم أصل من أصول السنة، أو إثبات أصل من أصول السنة، أو هدم أصل من أصول الشيعة، مما يستوجب انتقال المرء من مذهب إلى مذهب بينهما هذا البون الشاسع، وعليه فإن كل كلام لا يخدم هذه الغايات فلا اعتبار له هنا.

ثم يقول الكاتب إنه قرأ كتباً كثيرة سواء للشيعة وأهل السنة لا يسعه ذكرها، فكانت قراءاته ترسم له صورة الحقيقة بألوان من الحجج الدامغة، كان عقله يقف مبهوراً محتاراً أمامها فضلاً عن حيرة علماء أهل السنة في التعامل معها.

أقول إنني قرأت كتابك ولم أجد فيه أي حجة دامغة، ولم أجدك تشير إلى كتاب واحد لأهل السنة وقف فيه عالم من علمائنا مبهوراً محتاراً كيف يتعامل مع تلك الحجج المزعومة. وكان الجدير بك وأنت تضع هذا المختصر أن تعرض لهذه الحجج الدامغة لتقطع بها دابرنا وقول كل مخالف. واعلم أن الحجة إما أن تكون عقلية أو نقليّة، وهي تنقسم إلى السفسطة، والخطابة والشعر والجدل والبرهان. والبرهان هو أجلها وهو القياس المؤلف من مقدمات يقينية. وأنت تقول: "أنا على يقين تام بصحة ما أنا عليه" أي من التشيع. وتقول: "وأنا والحمد لله قد اجتهدت في معرفة الفرقة الناجية، وبعد البحث الجاد وجدت هذه الفرقة –أي الشيعة الإمامية- وثبت لي بالدليل العقليّ والنقليّ أنها هي الناجية، وسأثبت ذلك في هذا البحث"، وتقول: "تعال أيها القارئ لنبحث عن الأطروحة الإلهية التي تخلو من الثغرات والشطحات، القائمة على اليقين، لا نقص بها ولا زيادة ولا تغيير، تعال لننظر في أدلة الفرقتين –يعني الأشعرية والإمامية- حتى لا نبقى كأولئك الذي يقولون )إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ(". وأمثال ذلك من العبارات. فأقول: إن هذا الكلام الخطابي لن ينطلي على أحد، فقد بحثت في كتابك عن برهان واحد فلم أجد، فإن كانت هذه الصور من الحجج هي التي تسميها براهين فإما أنك لا تتصور معنى هذه الاصطلاحات التي ترددها، أو أنك تخطبنا في مقام المقارعة بالأدلة بما لا نريد سماعه من مبالغات جوفاء.

ويلفت النظر أن الكاتب يتهم أهل السنة بالتصريح حيناً وبالتعريض حيناً، بالانغلاق على أنفسهم، وأنهم يعاندون، وأنهم يجافون المذاهب الإسلامية الأخرى، وأنهم يجدون الموضوعية أمراً صعباً حين يتعلق الأمر بالعقائد والتقاليد والموروثات التي تشبعت بها العروق وألفتها النفوس على حد قوله، وأنهم لم يقوموا بواجبهم في البحث عن أهل الحق والفرقة الناجية، وأن علماءهم حيارى في بعض المسائل الواردة عليهم من الشيعة، وأنهم منحازون متعصبون ومتطرفون، ومختلفون ويخوض بعضهم في بعض... إلخ.

وإني لأرغب في مواجهة خليفات فعلاً لأسأله بمن كان يعرّض، وعمن كان يتكلم. لأن هذه الأوصاف التي ذكرها إنما تنطبق أفضل ما تنطبق على الشيعة لا على أهل السنة. ولأن من قرأ في كتب علماء أهل السنة وبخاصة المتكلمين منهم، فإنه يتعجب من انفتاحهم على الآخرين، ومعرفتهم بدقائق مذاهبهم، واحترامهم لكل إيراد من المخالف، ومحاولة إنصافه بإيجاد محمل حسن لكلامه، وأنهم لا يتحرجون من تسليم قضية المخالف إن كانت حقاً، كما لا يتحرجون من تضعيف دليلهم إذا كان ضعيفاً، وأنهم يقتلون المسائل بحثاً، ويدققون على المعاني أيما تدقيق وحتى على الألفاظ والمباني من جهة أنها هل تخدم المعنى المستعملة فيه أم لا، وأنهم اجتهدوا أيما اجتهاد في تحقيق أقوال الفرق ونقلها والتفريق فيما بينها. فإن كان الكاتب يعرّض بعلماء السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأبي الحسن الباهلي، والقاضي الباقلاني، والأستاذ أبي إسحق الإسفراييني، وإمام الحرمين الجويني، وأبي حامد الغزالي، والإمام فخر الدين الرازي، والمحقق العلامة عضد الدين الإيجي، والمحقق العلامة سعد الدين التفتازاني، والشريف الجرجاني، والسبكيان، وابن الحاجب، والشيخ زكريا الأنصاري، ومن قبلهم ومن بعدهم ومن عاصرهم من علمائنا مما يصعب حصرهم، فهذه كتبهم تملأ الدنيا، لا نخفي شيئاً منها، بل إننا ننشرها ونتحدى بها العالم، ويمكن لكل باحث بعد أن يقرأ قدراً يسيراً منها أن يعلم في قرارة نفسه كم كان هؤلاء الأئمة أهلاً للتقدير والاحترام رحمهم الله جميعاً. فإما أن يأتينا الكاتب من كلامهم ما يثبت مدعاه أو يَقطع لسانه عن السادة العلماء. ولست بحاجة لأن أنبه القارئ لأن يكون ذكي القلب، وأن لا يأخذ كلام كائن من كان على عواهنه على وجه التسليم لمجرد أنه موجود في كتاب مطبوع؛ فما أكثر الكتب المحشوة بالترهات والفكر الركيك. وأن عليه أن يتأمل ما يقرأ بعين ناقد بصير، فإن لم يمكنه ذلك فعليه أن يأخذ ممن أجمع الناس على علمه وصلاحه، وإن عرض له ما يشكل فعليه الرجوع إلى أهل العلم والنظر؛ قال تعالى: )وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ( فهذا أقل قدر من الفطنة ينبغي على المسلم أن يتمسك به. وبقي قبل الشروع في الرد على الكتاب ملحوظتان: الأولى خلط الكاتب بين المذاهب الفقهية الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وبين الأشعرية والماتريدية. ولتوضيح ذلك نقول: عند إطلاق أي من المذاهب الأربعة فإن المتبادر هو الرأي الفقهي الذي اختاره كل واحد من هؤلاء الأئمة، إلا أن تكون المسألة قيد البحث ليست مسألة فقهية بالمعنى الأخص للكلمة فيذكر قول أحد الأئمة فيها لبيان ما اختاره في تلك المسألة الأصولية أو الحديثية إلى غير ذلك من المسائل. وأما المتبادر عند إطلاق الأشعرية والماتريدية والمعتزلة فهو ما اختاره أصحاب هذه المذاهب في مسائل أصول الدين بصرف النظر عن مذاهبهم الفقهية. وعليه فإن جمع الكاتب بين المذاهب الفقهية والأصولية في أكثر من موضع في كتابه؛ مثال ذلك سؤاله: "أين نجد هذا الإسلام الذي لا يقبل الله غيره؟ أهو عند الأشعري والمذاهب الأربعة؟ أم هو عند الإمامية؟ أم عند السلفية؟ أم عند المعتزلة؟ أم عند الماتريدية؟ وهكذا يستمر التساؤل حتى نصل إلى ثلاث وسبعين شعبة"اهـ. أقول هذا الجمع – حتى مع كون معظم الأحناف ماتريدية، ومعظم الشافعية أشاعرة، ومعظم المالكية أشاعرة، وفضلاء الحنابلة أشاعرة؛ فإنه جمع لا يصح من وجوه. أولها ما ذكرناه من تبادر الإطلاق. وثانياً أن الأشعرية والماتريدية هما معاً أهل السنة والجماعة باتفاق الطرفين، لأن الخلافات فيما بينهما ليست بخلافات أصلية، وقد جمع المحققون المسائل التي اختلف فيها المذهبان فوجدوها قليلة جداً، وأعادوا معظمها إلى خلافات لفظية. وليس أدل على ذلك من شرح واعتماد تدريس الأشعرية لكتب الماتريدية والعكس. وثالثاً: تفريق الأمة في حديث التفرق على أساس الاختلاف الفقهي الذي تحتمله سعة الشريعة خطأ فاحش، وإنما المراد من حديث التفرق هو الافتراق الاعتقادي الأصلي، وأما النهي عن الاختلاف الوارد في كثير من الآيات والأحاديث الأخرى فإنما هو عن ذلك النوع من الاختلاف المذموم المؤدي إلى الفرقة لتأديته إلى اختلاف أصلي، وذلك النوع هو الناشئ عن التعنت والتعصب وغير ذلك من الأخلاق المذمومة التي نراها عند كل صاحب بدعة دون استثناء وعلى رأسهم الشيعة الإمامية، فالاختلافات في الفروع الفقهية من حيث هي كذلك لا تسمى افتراقاً، وليست اختلافات مذمومة؛ كما سيأتي بيانه بتفصيل إن شاء الله تعالى. ثم إن كتاب الكاتب قائم على المفاضلة بين أهل السنة (الأشعرية والماتريدية) والإمامية، ولا خلاف بيننا وبينه أن باقي المذكورين ليسوا من أهل السنة، فلم لا يمنع هذا الانتشار، أم أنه يريد إظهار الإمامية مذهباً واحداً لا اختلاف فيه من وجه والباقي هم أهل السنة المختلفون المتخبطون المفترقون إلى ثلاث وسبعين فرقة، فإن كان هذا مراده فإنه مما لا يسلمه له حتى الإمامية أنفسهم، ويكفي أن نذكر أنهم افترقوا إلى أربعة عشر فرقة بعد موت الإمام الحسن العسكري لحيرتهم في أمره، أمات أم غاب؟ أكان له ولد أم لم يعقب؟ وولده أحي أم غائب في سرداب؟ وأيهما المهدي المنتظر القائم صاحب الزمان؟ ولأن النص على الإمام أمر لا مفر منه لوجوب الإمامة على الله عندهم، فقد لجأوا للخروج من ذلك المأزق إلى أوهام وافتراضات ما أنزل الله بها من سلطان، سنأتي على ذكرها من كتبهم إن شاء الله. على أي حال فإن الكاتب يجمع بين الاختلافات الفقهية الفرعية – التي ليس هذا محل الكلام فيها أصلاً- والعقائدية في كلامه عن أهل السنة ليستغل كثرة الأولى فيوهم الناس بوجود اختلافات كثيرة في الأصول عندهم. فتأمل.

والملحوظة الأخرى، أن الكاتب قبل أن يشرع فيما سمّاه نظراً في أدلة الجانبين عقد فصلين عرّف في أحدهما بالأشاعرة وفي الثاني بالإمامية، هذان التعريفان كانا مما يثير القرقرة، لأنه ما هكذا يكون التعريف بفرقة من الفرق. بل إن ما تعرّف به المذاهب هو أصولها، والكاتب لم يذكر من ذلك شيئاً عن الأشعريّة في نصف الصفحة التي كتبها لهذه الغاية. وكل ما فعله هو ذكر شيء عن الشيخ أبي الحسن، وتعريضه به لبقائه أربعين سنة على الاعتزال، وبعد ذلك قال: "وعلى إثر نقاشات مع أستاذه الجبائي تكونت عنده رؤى خاصة دعته لترك الاعتزال – وقال في حاشية على هذا الكلام: وقد تكون هناك أسباب أخرى دعته لترك الاعتزال ليس هنا محل بحثها- فعمل مذهباً وسطاً بين أهل الحديث الحرفيين والمعتزلة العقليين، فصار مذهبه عقلياً ونقليّاً". اهـ.

فأقول: إشارته لوجود أسباب أخرى دعت الشيخ أبا الحسن إلى الاعتزال دون ذكرها إيهام للقارئ بأن الكاتب يعلم خبايا وحقائق خطيرة، لا يريد التفصيل فيها لأنه ليس المقام مقام بحثها. وهذا أسلوب تافه يلبس على الناس وينأى عن التحقيق، فإن الكاتب عرّف بالأشعرية في نصف صفحة، ومع هذه العجالة وحيث كان ينبغي أن يتكلم عن الأصول الأشعرية بما يعرف بمذهبهم، كان معظم كلامه عن الشيخ مع أن التعريف بالأشعرية لا ينبني من حيث هو مذهب عقائدي على التعريف بالشيخ ولا بغيره من العلماء رحمهم الله جميعاً، ووجد فسحة في المقام ليذكر أنه دام على الاعتزال أربعين سنة، ووجد فسحة في المقام ليدس بحاشيته هذه، ووجد فسحة ليقول: "إن الأشعرية يقلدون في الفقه أحد الأئمة الأربعة" مع أن هذا لا علاقة له بما نحن فيه من قريب أو بعيد، لأن الكلام في هذا الكتاب إنما هو على المذهب الاعتقادي، فلا داعي لذكر المذاهب الفقهية، فليس تقليدهم ولا اتباعهم ولا حتى اجتهادهم في الفقه جزءاً من مفهوم المذهب الأشعري؛ ووجد فسحة ليقول: "ولم يكن هؤلاء الأئمة على نفس عقيدة الأشعري، فالأشعري ولد بعدهم بسنوات، وكان أبو حنيفة ماتريدياً، وابن حنبل ومالك كانا على عقيدة أهل الحديث". اهـ. فبالله أهذا كلام عقلاء؟ فما المانع من أن يكون المتقدم على نفس عقيدة المتأخر أو أن يكون المتأخر على نفس عقيدة المتقدم؟ بل الأصل أن يجتمع المسلمون أولهم وآخرهم على عقيدة واحدة. إن من يدعي أن عقيدة الأئمة الأربعة هي على خلاف عقيدة الأشعري أو الماتريدي فعليه أن يأتي يأتي بالدليل، وهو أن يأتي بقول في مسألة عقائدية لا تحتمل الخلاف لأحد الأئمة المذكورين ويقابلها بقول الأشعري ويثبت تغاير القولين؛ ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يثبت هذا الادعاء فضلاً عن هذا الغر. ولو وقع الاختلاف لنقل لتوفر الدواعي على نقله. ثم إن كان المعتبر هو التقدم والتأخر في الزمان فكيف تقول إن أبا حنيفة كان ماتريديّاً وهو الذي توفي سنة 150 هجرية، وأبو منصور الماتريدي كان مولده بعد أكثر من قرن من وفاة أبي حنيفة، وكانت وفاة الماتريدي سنة 333 هجرية؟ فماذا تسمون هذا التخبط؟ ثم ما المقصود بعقيدة أهل الحديث التي تنسب أحمد ومالك لها؟ فإن أهل الحديث عبارة تجمع مع هذين الإمامين الجليلين أئمة عظاماً آخرين فالشافعي والبخاري ومسلم وأصحاب السنن وكل من تقرأ أسماءهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في أسانيد الأحاديث الواردة في كتبهم هم أهل الحديث فهل تقول إن كل هؤلاء ليسوا على عقيدة الأشعري؟ إن كان هذا مرادك فهو غلط فاحش لأن ابن عساكر والبيهقي مثلاً ممن يصرحون بأنهم من الأشاعرة. وإن كنت تقصد أن مالكاً وأحمد قد لحقا بعقيدة الحشو والتجسيم، فالأشعرية لم يقل أحد منهم بذلك. وإن كان هذا اجتهاداً منك فأين الدليل على أنهما من المجسمة؟ بل إن أحداً من أهل السنة لا يوافقك على ذلك، وقد أجمعت الأمة على إمامة مالك وأحمد وعلو شأنهما رضي الله عنهما.

وأعود لقولك (إن الأشعري عمل مذهباً وسطاً... إلخ). إنك لتصور الأشعري قد تخير من جملة العقائد المختلف فيها بين المعتزلة ومن دونهم ولفّق مذهباً توفيقياً لتقريب وجهات النظر أو لإتمام القسمة العقلية بين مذهبين في غاية الاختلاف أو لأي أمر آخر. وهذا كلام من العجب العجاب، فمذهب الأشعري ليس من صنع يديه يفصله على قدّ ما يريد من أهوائه، ثم تبعه بعد ذلك السواد الأعظم من المسلمين كالأغنام لا تدري إلى أين يقودها الراعي؛ إننا نتكلم عن فهم لأصول الدين مستقرأ من مجموع النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهمٍ على وفق منهج وطريقة محققة في النظر، ساهم في تقعيدها وتنقيحها ألوف من العلماء على مر التاريخ الإسلاميّ. وليست القضية أن الشيخ خالف شيخه في مسألة الصلاح والأصلح فابتدع مذهباً جديداً، أو أنه رأى مناماً، أو طلب منصباً ومكانة، وإلا أي لو كان مذهبه غير قائم على أصول محققة وكان مجرد فكرة عابرة وأوهام وتخيلات، لما لبث أن تهافت واندثر كما اندثرت كثير من الدعاوى الباطلة غير المأصلة التي حكى عنها التاريخ. فتأمل. أما تعريف الكاتب بمذهب الإمامية فإنه قد أودع فيه ما لا يخدمه في الدفاع عنهم وإثبات أصولهم كما سنبينه إن شاء الله تعالى. ولنشرع في الإجابة عن الشبه الواردة في كتابه، مستعينين بالله سبحانه وتعالى.

 

الشبهة الأولى:

قوله: (إن بعض الصحابة بقيادة عمر ارتكبوا خطأ جسيماً بحق النبي r حتى طردهم). اهـ وهذه الحادثة التي يشير إليها في كتابه برزية الخميس. وأجيب عنها بما كتبه بعض أيمن بدارين وعاونه محمود الحياري، قالا:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن مغالطات الشيعة لأهل السنة في الأصول والفروع كثيرة شديدة البعد عن الصواب. وهي تشير إلى محاولات جادة ومستمرة لتكوين مجتمع قائم على مذهب التشيع منفصل عن الأمة الإسلامية. ومن تلك الأمور التي خالفوا فيها إجماع أهل السنة تكفيرهم صحابة رسول الله r إلا قليلاً منهم. هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: )وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، وقال تعالى: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(.

إن صحابة رسول الله r هم حملة هذا الدين وورثة النبي الكريم المبلغين رسالته والناشرين دعوته، والرافعين رايته، والمجاهدين في سبيل الله، والممدوحين في كلام الله، والذين اتبعوهم من بعدهم ساروا على دربهم واقتدوا بهم، وهم السواد الأعظم من أمة سيدنا محمد r. فتكفيرهم تكذيب لله ولرسوله.

ولقد عمّم الإمامية تكفيرهم للناس حتى طال كل من لم يؤمن بأصول الشيعة ولم يكن اثني عشرياً. وهذا أحد كبرائهم وهو نعمة الله الجزائري يقول: (الإمامية قالوا بالنص الجلي على إمامة علي، وكفروا الصحابة، ووقعوا فيهم وساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق وبعده إلى أولاده المعصومين)[1]. وقال عن أهل السنة: (إنهم كفار أنجاس بإجماع علماء الشيعة الإمامية، وإنهم شر من اليهود والنصارى. وإن من علامات الناصبي تقديم غير علي عليه في الإمامة)[2]. ويقول المظفر صاحب العقائد المشهورة: (مات النبي r ولا بد أن يكون المسلمون كلهم -لا أدري الآن- قد انقلبوا على أعقابهم)[3]. ويقول عبد الله شبر كتابه تاج الفقهاء: (وأما سائر المخالفين ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب فالذي عليه جملة من الإمامية كالسيد المرتضى أنهم كفار في الدنيا والآخرة، والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة). اهـ

وخصصوا بالنكير والتكفير أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما اللذان ورد في الصحاح من فضائلهما أحاديث كثيرة مشهورة، ولو لم يرد في أبي بكر سوى حديث عدل إيمانه بإيمان الأمة وفي عمر غير قول النبي r فيه "لو كان نبي بعدي لكان عمر" لكفاهما. ولكن ما أشار إليه القرآن الكريم في ذلك أقوى وأبلغ كذكر أبي بكر في الغار عند الهجرة، واختيار الله ورسوله له ليصحب النبي r في رحلة الهجرة. وحكم الله تعالى لعمر في المسائل الثلاث المشهورة. كل ذلك في فضلهما وعظيم شأنهما عند الله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.

واعتمادهم في الطعن على سيدنا عمر بن الخطاب t وتكفيره هو على حديث البخاري في حادثة الكتابة التي أمر بها رسول الله r عند وفاته. فقد ادعوا أن عمر بن الخطاب t وصف رسول الله r بأنه (يَهْجُر). وهو مجرد ادعاء واتهام عار عن الصحة كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

 

أولاً: مما ورد في الطعن على سيدنا عمر من كتب الشيعة في هذه الحادثة:

1- يقول الخميني:

(عندما كان رسول الله r في فراش المرض، ويحف به عدد كثير، قال مخاطباً الحاضرين: تعالوا أكتب لكم شيئاً يحميكم من الوقوع في الضلالة، فقال عمر بن الخطاب: لقد هجر رسول الله. وقد نقل نص هذه الرواية المؤرخون وأصحاب الحديث من البخاري ومسلم وأحمد مع اختلاف في اللفظ، وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري. الواقع أنهم ما أعطوا الرسول حق قدره… الرسول الذي كد وجد وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية والنابعة من الكفر والزندقة). اهـ[4]

 

2- ويقول ابن المطهر الحلي:

(المطلب الثاني: في المطاعن التي نقلها السنة عن عمر بن الخطاب. نقل الجمهور عن عمر مطاعن كثيرة منها قوله عن النبي r لما طالب في حال مرضه دواة وكتفاً ليكتب فيه كتاباً لا يختلفون بعده وأراد أن ينصّ حال موته على علي ابن أبي طالب "ع"، فمنعهم عمر وقال: إن رسول الله ليهجر حسبنا كتاب الله. فوقعت الغوغاء وضجر النبي فقال أهله: لا ينبغي عند النبي الغوغاء. فاختلفوا فقال بعضهم: أحضروا ما طلب، ومنع آخرون. فقال النبي r: ابعدوا. هذا الكلام في صحيح مسلم. وهل يجوز مواجهة العامي بهذا السفه فكيف بسيد المرسلين r). اهـ [5]

 

3- ويقول العاملي البياضي في مطاعن عمر:

(وثالثها أن الغوغاء لم تكن بطلب الكتاب بل بالمخالفة كما أخرجه البخاري وغيره من قول بني هاشم قربوا إليه كتاباً وقول عمر ومن معه لا ندعه يكتب وإنه قد هجر … وهذا آذى رسول الله r. وقد قال الله: )إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ(. اهـ [6]

 

4- ويقول القاضي نور الدين التستري:

(وذلك لأن أول من سبَّ رسول الله r في مرضه الذي توفي فيه هو عمر بن الخطاب خليفة…حيث قال رسول الله r: آتوني بدواة وكتف لأكتب كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فقال عمر إن الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله).اهـ[7]

5- وذكر مثل ذلك الأربلي في كتابه كشف الغمة.[8]

 

ثانياً: نص حديث البخاري ومسلم المتفق عليه والروايات الأخرى

سنذكر ههنا نص الحديث كما ورد في المصادر الحديثية لا كما أوردها الشيعة الامامية، وذلك لكي يتبين للقارئ الكريم ما وقع فيه الشيعة من مجانبة للحق والصواب في هذا المطلب العظيم.

- (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حضر رسول الله r وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي r: "هلمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده"، فقال عمر: إن رسول الله r قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا؛ فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم رسول الله r كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر؛ فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله r: "قوموا". قال عبيد الله فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم)[9]

- وفي رواية عند البخاري قال r عندما كثر عنده اللغط: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. قال الراوي ونسيت الثالثة). [10]

- وفي رواية أخرى للبخاري: (ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه. فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه).[11]

- وفي رواية أخرى للبخاري أن من قال إن رسول الله وجع بعض الرجال دون نسبة هذا القول لعمر؛ وفيها أن طائفة من أهل البيت كانت مع عمر في رواية جاء فيها: (لما حضر رسول الله r وفي البيت رجال فقال r: "هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده". فقال بعضهم: إن رسول الله r قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله r: قوموا).[12]

- وفي رواية عند الحاكم في المستدرك: (قال رسول الله r: "توني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً"ثم ولانا قفاه، ثم أقبل علينا فقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"). [13]

وهذا يحتمل أن رسول الله r كتب شيئاً من ذلك الكتاب والذي يتضمن استخلاف أبي بكر لا كما تدعي الشيعة.

- وفي رواية "البيهقي" جاءت كلمة هجر بصيغة السؤال:

(قالوا ما شأنه أهجر؟ استفهموه. فذهبوا يفدون عليه. قال: "دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه").[14]

- وفي رواية له:

(فقال بعض من كان عنده إن نبي الله ليهجر).[15] وكذا عند الطبري.[16] وعند الإمام أحمد بصيغة (فقالوا ما شأنه أهجر…)[17].

- وفي مسند الحميدي من حديث ابن عباس (فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه…).

- وعند أبي يعلى من غير لفظة (هجر) ولا (وجع) من حديث ابن عباس: (اشتد برسول الله r وجعه فقال: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده". فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقال: "دعوني، فما أنا فيه خير مما تسألون عنه". قال أمرهم بثلاث)[18].

 

ثالثاً: ما نستخلصه من مجموع هذه الروايات ما يلي:

1.       قوله في الحديث "هجر رسول الله" -أي هذي- لم تنسب إلى عمر بن الخطاب في أي رواية لا في الصحيحين ولا في غيرهما من كتب أهل السنة كما يدعي علماء الشيعة، وكما يدعي الكاتب الأمين في نقله حيث يقول: (فوجدتها مثبتة في الصحيحين). نعم هي مثبتة في الصحيحين لكن لا بلفظ هجر عن سيدنا عمر الذي هو محل الكلام، فماذا يسمى هذا في عرف أهل العلم؟ وإنما نسبت لبعض الرجال الحاضرين كما في رواية الشيخين. والأصح كما يقول الإمام النووي والسيوطي والقاضي عياض رواية (أهجر) بالهمز أي بالاستفهام اعتراضاً على من رفض الكتابة للرسول r، أي هل يمكن أن يهذي حتى تمنعوا عن أن تحضروا دواة ليكتب لنا الكتاب؟

وقال الإمام النووي: (وإن صحت الروايات الأخرى كانت خطأ من قائلها، قالها بغير تحقيق بل لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظيم ما شاهده من النبي r من هذه الحال الدالة على وفاته وعظيم المصاب وخوف الفتن والضلال بعده)اهـ[19]

ولك أن تقارن بين موقف أهل السنة من هذه الروايات ومحاولة حملها على معانٍ تليق بصحابة رسول الله r، وموقف الشيعة الذين شنعوا على الصحابة وطعنوا عليهم وقوّلوهم ما لم يثبت أنهم قالوه.

 

2.       قول عمر "إنه وجع" عند البخاري ومسلم، معناه أن الرسول r تعب والكتاب الذي سيكتبه سيطول ويؤذي رسول الله r ويطيل مرضه ولا نريد أن نؤذي رسول الله، فسيكتبه عندما يصح من وعكته، فإن الله لا يقبضه قبل إكمال الرسالة. وعمر لم يكن يتوهم وفاة رسول الله r بدليل عدم تصديقه لخبر وفاته عندما أعلن عنها، فعدم كتابة ذلك كان شفقة برسول الله r لئلا يتأذى لأن الكتابة ستطول. ولا يخفى أن إثبات لفظ الوجع من عمر لرسول الله r ليس فيه منقصة له عليه الصلاة والسلام.

 

3.       إن رفض الكتابة لم يكن من عمر وحده فالروايات كما مر ذكرت "أهل البيت" و"بعض القوم". وهو شامل لكل من حضر في البيت كما ذكر في الصحيحين وغيره وحمله على عمر دون غيره تحكم ظاهر.

 

4.       أمره عليه الصلاة والسلام لم يكن على وجه الوجوب وإنما على وجه الندب؛ كما بين الإمام المازري والقرطبي ذلك لقرائن فَهِمَها بعض الصحابة الذين رفضوا الكتابة، بينما ظن الباقون إنها للوجوب؛ فحمَلها مَن منعَ الكتابة على الندب كما حملوا قوله عليه السلام: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة". فكرهوا أن يكلفوه وهو في تلك الحالة مع استحضار قوله تعالى: )مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ(. والذي يدل على أن أمره كان للندب عدم إنكاره عليه الصلاة والسلام لمن خالف أمره لأن النبي لا يقر مخالفة الواجب إجماعاً واتفاقاً، وبقاؤه حياً أربعة أيام بعد ذلك دون أن يكتب كما نص على ذلك الإمام البخاري.[20] ولو كان أمره واجباً والله أمره بالكتابة لما توانى لحظة عن الكتابة ولعاد إلى الطلب مراراً، وهو المأمور بتبليغ ما أمر به. وهذا موافق لما فهمه سيدنا علي في صلح الحديبية عندما أمره r بمحي كلمة رسول الله فلم يفعل ذلك سيدنا علي لحمله "على تقديم الأدب على الامتثال" كما ذكره أهل السنة. وإليك الفقرة من الحديث كما رواها أهل السنة والشيعة: عندما رفض المشركون كتابة "محمد رسول الله": ( فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله؛ لو كنت رسولاً لم نقاتلك. فقال لعلي: "امحه". فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه. فمحاه رسول الله بيده …)[21]. وفي كتب الشيعة مثل ذلك: ( امح يا علي واكتب محمد بن عبد الله. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أمحو اسمك من النبوة أبداً فمحاه رسول الله بيده). اهـ [22]

5.       أنه عليه الصلاة والسلام عندما قال: ( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه)، ليس إنكاراً على من رفض الكتابة، وإنما معناه: اتركوني لأتفكر وأذكر ربي وأحمده خير من هذا اللجاج. فمراقبة الله تعالى والاستعداد للقائه أفضل من اللجاج.

 

6.       أنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين أوصى قبل موته وصيته المشهورة بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد والثالثة التي نسيها الراوي. مما يدل على نسخ أمر الله له بالكتابة وإلا لكتب كما أملى وصيته.

 

7.       أنه r ربما أملى شيئاً من هذا الكتاب كما ذكر الحاكم في المستدرك: (أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، ثم ولانا قفاه؛ ثم أقبل علينا فقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ولم يمل غير ذلك؛ فكان باستطاعته أن يكمل الإملاء وقد عرفنا الكتاب ومضمونه فجعل الاستخلاف لأبي بكر دون غيره.

 

8.       قال الإمام النووي: (وأما كلام عمر t فقد اتفق علماء المتكلمين في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشي أن يكتب r أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها؛ فقال عمر: حسبنا كتاب الله. لقوله تعالى: ) مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ (، وقوله تعالى: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة).[23]

9.       لو كان مراد رسول الله r أن يكتب ما لا يستغنون عنه – من أصول دينهم، كما يدعي الشيعة بأن الإمامة إنما هي المصححة للتكليف- لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(، وقوله تعالى: )الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ(. وهو r لم يترك ذلك لمخالفة من خالفه من المشركين واليهود ومعاداة من عاداه، فبأولى أن لا يتركه ههنا. ثم قبل ذلك وبعده لا يتصور منه r أن يكتم شيئاً مما أمر بتبليغه، لأن ذلك مما يستحيل في حقه كما هو مبيّن في عقائد أهل السنة كأصل من أصول دينهم.

 

10.      إن قول عمر كان لتحصيل الأمة فضيلة الاجتهاد ولئلا يسد هذا الباب الذي أصّله لهم النبي r بقوله: (إذا اجتهد الحاكم) الحديث.

11.      إن أمره عليه الصلاة والسلام لصحابته بالكتابة أمر اجتهادي منه، وليس تبليغاً من الله تعالى، ويدل على ذلك أن عمر اجتهد سابقاً مخالفاً للحكم الظاهر عن الرسول r، ونزل القرآن بموافقته فظن عمر أن هذا المقام كتلك المقامات بأنه أمر اجتهادي من الرسول r، يرجع فيه إلى المقاصد والأصول العامة للدين، لا أمر منصوص عليه مقطوع به. والرسول r لم ينكر عليه عدم كتابة ذلك فدل على أن الأمر كما ظن عمر بدليل إقراره عليه السلام بالسكوت.

 

12.     قال الإمام النووي: (وقول عمر حسبنا كتاب الله رد على من نازعه لا على أمر النبي r) اهـ[24]. وهذا حمل لطيف لكلام عمر t، لما أن مهابته عليه السلام وإجلاله في قلوب الصحابة كانت أكبر من أن يواجه بالرد. على أن كلام عمر إذا تصورناه قيل بلطف لرسول الله، فليس فيه ما يشكل أبداً. وكلام النووي أن عمر قد جادله بعض الصحابة وأنكروا عليه مستدلين بأن الرسول r يستحيل عليه أن يهذي فلم تمنعنا من الكتابة، فأجابهم عمر: "حسبنا كتاب ربنا"، أي )تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ( كما قال الله تعالى. ويؤخذ من هذا الفهم عدم نسبة قول (أهجر؟) لسيدنا عمر t بل لمن نازعه في منعه من الكتابة.

 

13.     ثم إنه r لو نص على شيء أو أشياء لم يرفع ذلك الخلاف كما يقول ابن الجوزي، لأن الحوادث لا يمكن حصرها فهذا دليل على عدم جزمه عليه الصلاة والسلام بما أمر. أي أن الاختلاف سنة كونية باقية قطعاً فلو نص الرسول r على ما أراد التنصيص عليه لما رفع الخلاف ولأوهم الخطأ والكذب على رسول الله r في قوله، ولكان مبرراً قوياً للطعن فيه وفي هذا الدين العظيم.

 

14.           قال الخطابي في الحديث:

( لا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله r أو ظن ذلك مما لا يليق به بحال، ولكنه لما رأى ما غلب على رسول الله من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين وقد كان أصحابه عليه الصلاة والسلام يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه في يوم الحديبية في الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم. قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه، وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه. قال: ومعلوم أنه r وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية، وقد سها في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته؛ فلهذه المعاني وشبهها راجعه عمر t).[25]

15.     أن الإمامية أنفسهم نسبوا لبعض أئمتهم ما رموا به عمر من نسبة الهذيان لرسول الله r، فهذه رواية روتها كتب الشيعة الإمامية في حق أحد الأئمة وهو معصوم عندهم؛ ولا فرق بينه وبين النبي إلا بالوحي. تأمل. فقد قال ابن طاوس شرف العترة وركن الإسلام: (ومن ذلك في دلائل علي بن الحسين عليه السلام ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر بن رستم قال: حضر علي بن الحسين الموت فقال لولده: يا محمد أي ليلة هذه… ثم دعا بوضوء فجيء به، فقال: إن فيه فأرة، فقال بعض القوم إنه يهجر فجاءوا بالمصباح..). اهـ[26]

فانظر كيف أثبتوا لمعصوم عندهم بألسنتهم ما استشنعوه في حق معصوم آخر، على فرض ثبوته.

 

16.     لا يستقيم أن يكون سيدنا عمر قد ارتكب خطأ جسيماً في حق رسول الله r، ثم يقابل من سيدنا علي t بهذا الثناء، كما ورد في نهج البلاغة، وكما هو مثبت في غيره من الكتب المعتمدة هند الشيعة؛ حتى أنه لفرط محبته له ولبقية الخلفاء الراشدين وتقديره لهم سمى بعض أبنائه أبا بكر، وعمر، وعثمان. وزوج ابنته من السيد فاطمة (أم كلثوم) من سيدنا عمر t. والنبي r يقول: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، فهل يكون هذا فعل معصوم قد علم إساءة هؤلاء لرسول الله r، بل وفسقهم وتآمرهم على الدين وردتهم، فيقابلهم بالمحبة والتقدير والثناء. والحمد لله رب العالمين.

ملحوظة: قولنا في (15) تأمل، للفت النظر أنا وجدنا في بعض روايات الشيعة ما يفهم منه إثبات أن الأئمة يوحى إليهم أيضاً تماماً كالأنبياء، من ذلك ما رواه الكليني كذباً عن بعض الأئمة من قوله: (إن الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساء)[27]. وغير ذلك بل وأعظم من ذلك كما سيأتي في الكلام عن غلوهم. اهـ جوابهما عن الشبهة الأولى.

 

 الشبهة الثانية:

قوله: (إن الشيعة يأخذون الإسلام أصولاً وفروعاً عن النبيّ r وآل بيته الأطهار لا غير). اهـ

أقول: إن هذا الادعاء لا يسلّم بوجه من الوجوه للمدعي:

أولاً: لأن مفهوم آل البيت عند الإمامية غير مبيّن، فلا توجد قاعدة عندهم تحدد لنا من هم آل البيت، وإنما الأمر مجرد تحكمات وأهواء تقرر من يندرج تحت هذا الاسم ومن لا يندرج. فإن من وجبت طاعته وجب معرفته وتعيينه. وقد استقرأ إحسان إلهي ظهير رحمه الله معاني هذا اللفظ المركب (أهل البيت) في كتابه (الشيعة وآل البيت) من جميع القواميس المعروفة، وبحثها الدكتور محمد عمارة بحثاً لطيفاً في كتابه ردود المعتزلة على الشيعة ومنهما، ومن رسالة (آية التطهير وحديث الكساء) لم يذكر اسم كاتبها أفدنا في هذا البحث، فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

فأهل البيت لفظ لا يدل على الأئمة من آل البيت فقط، بل يدخل فيه نساء النبي وأعمامه وعشيرته، وهو على الأزواج أدل، إذ الزوجة أول أفراد أهل البيت والمعنى الأول للفظ ثم يأتي الأولاد والبنات. والأقارب لا يدخلون في كلمة الأهل إلا مجازاً وإلحاقاً. قال تعالى: )فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا( وزوجه كانت معه. وفي رد الملائكة على زوجة إبراهيم بعد أن تعجبت من البشرى: )قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ( والخطاب لها فعلم أنها من أهل البيت. وفي قول امرأة العزيز: )قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا( وكانت تعني نفسها. وعن زوجة لوط قال تعالى: )فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ( فاستنى من الأهل الزوجة لأنها منهم، )إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ(. وقال تعالى: )فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ(. وغيرها كثير بنفس المعنى عن زوجة لوط في القرآن الكريم، فهي داخلة في لفظ الأهل أو الآل إلا أن الاستثناء أخرجها من حكم النجاة. ولو لم تكن الزوجة داخلة في الأهل لم تستثنَ منهم.

وأهل الشيء عموماً أصحابه الملازمون له. قال تعالى: )إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ(. وجاء في كثير من المواضع في القرآن الكريم أهل الكتاب. وأهل الذكر أي أصحابه وحملته. وأهل المدينة وأهل القرى في القرآن أصحابها وساكنوها المقيمون فيها. وأهل البيت أيضاً سكانه، قال تعالى:

)لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا(. واستقراء جميع معاني الأهل في القرآن الكريم بشواهده قد يطول. والإمامية أخرجوا جميع النساء من أزواجه وبناته وبنات بناته من أن يكن من أهل البيت ولم نسمع أن أحداً نسب إليهنّ العصمة فإن كان التطهير معناه العصمة فهن مطهرات بنص الآية في سورة الأحزاب. فإن تمسك أحد بقوله تعالى: (ليذهب عنكم)، و(ويطهركم) وعدم قوله (عنكن) و(يطهركن) أجيب بأن المخاطب بالآية أهل بيت النبي r، وهن أزواجه، وصاحب البيت من أهل البيت وهو النبي r ومنهم أبناء بناته من الرجال وغيرهم ممن ألحق بهم، ويجوز في اللغة إطلاق لفظ المذكر على الجماعة من الناس فيهم الذكور والإناث.

ومن العجيب إخراج جميع النساء من عموم لفظ آل البيت وإدخال فاطمة الزهراء رضي الله عنها وحدها. وأعجب منه أنه بعد إدخالها يُقتصر على ابنيها دون بناتها. وأعجب منه الاقتصار على بعض أولاد الحسين دون بعض وترك بناته، وترك أولاد الحسن وبناته. ثم إنهم اختاروا من أبناء عمومة رسول الله r عليّاً وتركوا عمّيه الأقرب له حمزة والعباس، وتركوا ابني عمه أخوي علي جعفر وعقيل. فإن قالوا لأن علياً صهره قلنا فلم لم تدخلوا عثمان ذي النورين الذي تزوج ابنتيه ولو كان عنده ثالثة لزوجه إياها، ولم لم تدخلوا أبا العاص بن الربيع زوج زينب. فإن قيل للنص عليه أنه من أهل البيت بحديث الكساء، قلنا فلم لم تدخلوا سلمان وقد قال النبي r فيه: (سلمان منا آل البيت). بعد هذا بقي لكم احتمالات ثلاثة في اختياركم لعلي كرم الله وجهه، وهي كونه ابن عم وصهر معاً، أو صهر ومنصوص عليه، أو ابن عم ومنصوص عليه. فإن كان أحدها فأين الدليل على ذلك من الشرع؟ ولن نطالبكم بدليل من اللغة لأنها لا تحتمل هذه التركيبة أبداً، ولأنه لا مفهوم للنص الشرعي قبل الشرع. ولك أن تتعجب بعد إدخال سيدنا علي في آل البيت كيف اختير الحسن والحسين وأخرج بقية أولاده محمد بن الحنفية، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والعباس وجعفر وعبد الله وعبيد الله ويحيى، وبالتالي خرج أولادهم وبناتهم.

وللمتأمل المنصف أن يقرأ هذه الآيات الكريمة من سورة الأحزاب بينه وبين نفسه، ويراجع كتب التفسير؛ قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا* يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا( صدق الله العظيم.

وبعد التأمل في هذه الآيات، يا من تفهمون العربية، أيصحّ أن يكون التطهير وقع على علي وفاطمة وبعض أبنائه دون نساء النبي r، والخطاب كله لهنّ من السياق المتصل قبل ذكر التطهير وبعده. فليرد علينا أحد. واعلم أن هناك من تمسك بحديث الكساء لتحديد هوية آل البيت، وهو ما رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله r قال: لما نزلت هذه الآية على النبي r )إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة وأنا معهم يا نبي الله. قال أنت على مكانك وأنت على خير). اهـ.

وأجيبَ عنه بأن الحديث أدخل مجموعة من أقارب النبي r ممن لا يسكنون معه في حكم هذه الآية، وليس فيها قصر المعنى عليهم، بل ندعي أن الرسول r دعا الله أن يشملهم بالتطهير. ولا يفهم من قوله r: (هؤلاء أهل بيتي) أن غيرهم ليس كذلك. ومن ذلك قول الله عز وجل: )